الصفحة 15 من 21

بعد أن أوضحنا منهج مالك في العمل السياسي سنوضح مدى استقلاله في ذلك عن منهج شيوخه، فنقول:

إن شيوخ مالك كثيرون، اخترت أربعة منهم، ساعرف موجزا بجانب من منهج كل منهم في العمل السياسي، ليتسنى لي المقارنة -توافقا وافتراقا - بين مالك وبينهم، ولكيما أقترب من الصواب وأنا أتقصده وأتلمسه في الحكم على مالك بالاستقلالية أو بالتأثر والتبعية في منهجه السياسي، والأربعة الذين سأتكلم عنهم هم:-

1 -ابن هرمر، أبو بكر عبدالله بن يزيد الأصم (ت841هـ) تتلمذ عليه الإمام مالك ثمانية أعوام (84) ، واستحكمت المودة بينهما، حتى أفضى إليه ابن هرمز بسره السياسي الخطر، وهو مشاركته في الخروج المسلح على سلطة الحكم العباسية. فابن هرمز كان يرى مشروعية الخروج المسلح ضد من تغلب على الحكم وجعله وراثيا ومما يدل على ذلك الاتجاه الفكري عند ابن هرمز موقفه العملي، فقد خرج مع محمد النفس الزكية سنه 541هـ- يحمل قوسه، فقيل له: والله ما فيك شيء. فقال: قد علمت، ولكن يراني جاهل فيقتدي بي (85) فلم يتحلل من بيعته لمحمد النفس الزكية على الرغم من تحلل الآلاف ممن بايعوا.

فابن هرمز شارك فعليا في ثورة محمد النفس الزكية، ولكن مالكا لم يشارك، مما يدل على استقلال مالك في منهجه، وعدم تأثره بمنهج شيخه.

2 -ابن شهاب الزهري، أبو بكر بن مسلم المدني بن زهرة، (ت421هـ) ، كان يدخل على الخلفاء ويجالسهم ويتقبل هداياهم، وكان مؤدبا لأبناء هشام (86) .

وقد توافق مالك مع شيخه ابن شهاب في الدخول على الخلفاء وقبول هداياهم، فيروى قبوله عطاء أبي جعفر، فقد قبل ثلاثة ألآف دينار أعطاها له أبو جعفر ليشتري مسكنا له (87) ، كذلك شكى إلى الرشيد دينا ألم به، فأمر له بألف دينار، فلما هم بالانصراف قال: يا أمير المؤمنين: وزوجت ابني محمدا فصار عليَّ فيه ألف دينار; فأمر الرشيد له بألف أخرى (88) وورد أنه سئل عن حكم قبول العطاء فقال:"أما الخلفاء فلا شك، وأما من دونهم فإن فيه شيئا (89) ."

فكان مالك يرى أن للعالم حقا في بيت المال، وأن الخلفاء إن أعطوا فإنما يعطون من المال العام وليس من خاصة ماله. والعالم له رزق في بيت المال يستحقه لقاء تفرغه للتعليم والتربية والفتيا (90) ، ثم إنه لو لم يقبلها لعل الحاجة تؤدي به إلى ما لا يليق بأمثاله. فكان له مستنده الشرعي وضابطه الفقهي في ذلك الاتجاه الفكري والمنهج السلوكي.

لقد توافق مالك مع شيخه الزهري في الدخول على الخلفاء وقبول عطاياهم، غير أن روايات ذكرت عدم سرور مالك وهو يقبل عطايا الخلفاء وأنه كان يرى في ذلك شيئا ; فروي: أنه سئل عن ذلك، فكرهه، فقيل له: إنك تقبلها. فقال: أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك معا (91) وفي رواية: أجئت تبكتني بذنوبي (92) .

وأرجو أن لا أجافي الصواب إذا قررت عدم التعارض بين قبول مالك عطايا الخلفاء وكرهه لذلك، فيحمل قبوله لها وطلبه إياها على حال الاستحقاق في بيت المال. ويحمل كرهه لها على حال أخذها بغير حق، وحال التوسع في أخذها ولو كان بحق، ولعله خشي أن يفسر فعله ذلك على غير وجهه، فيقلده فيه الجهال أو غير الورعين، فيقبلون عليه من غير مستند شرعي أو يقبلون عليه من غير ضابط فقهي.

لقد كان مالك منطلقا في منهجه في قبول العطاء من مستند شرعي ونظر اجتهادي وليس تقليدا لشيخه الزهري ولا تأثرا به.

3 -جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت 841هـ) . لم يعن قط بالسياسة بل كان همه التربية.

وقد توافق موقف مالك مع موقف شيخه جعفر الصادق، فقد اعتزل مالك طريقة الخروج على الخلفاء، ولأن مالكا قد بلغ درجة الاجتهاد فإنني أرى أن توافقه مع شيخه جعفر الصادق ليس ثمرة تقليد وتأثر، ولكنه ثمرة اجتهاد مستقل، فإن مالكا قد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق.

4 -ربيعة الرأي (بن فروج أبي عبد الرحمن المدني) (ت 631هـ) (93) كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت