الصفحة 16 من 21

يدخل على الخلفاء ويقابلهم، لكن لا ليأنس بمقابلتهم أو ينال منهم، وإنما ليفتيهم وينصحهم، فق دروى مالك أن ربيعة قابل أبا العباس السفاح، فأمر له أبوالعباس بجائزة فرفضها ربيعة، فأعطاه أبو العباس خمسة آلأف درهم ليشتري بها جارية فامتنع عن قبولها.

كذلك، تذكر الروايات التاريخية أن أبا العباس استدعى ربيعة لي سلمه ولاية القضاء فأبى، فلما أراد ربيعة السفر قال لمالك: إن سمعت أني حدثتهم شيئا أو أفتيتهم فلا تدعني شيئا، فوصله أبو العباس بخمسة آلاف درهم فرفض أن يقبلها (94) .

هذه الرواية فيها دلالة على أن ربيعة كان يرفض الولاية، ويمكن أن يحمل هذا السلوك على الزهد في الولاية وعلى الخوف من تولي القضاء، ويمكن أن يحمل على أنه فرار من تولي الوظائف في ظل خليفة اغتصب الخلافة وعض عليها، ولم يجعلها شورية تختار الأمة لها من ترتضيه. كان مالك قريبا من شيخه ربيعة، عالما بأحواله، مرافقا له في مقابلاته للخلفاء (95) ، ولكنه كان مستقلا عنه في فكره السياسي، لذلك لم نجده في مسألة تولي الوظائف المهمة في الدولة- متوافقا معه، فلم يرفض مالك -كما سياتي- حسن العلاقة بالسلطة الحاكمة، وتولي الوظائف فيها على الرغم من تيقنه من ظلم تلك السلطة فقد غصبت الأمة منصب الخليفة وجعلته ملكا عائليا وراثيا.

والمسألة اجتهادية، فلعل مالكا كان يرى المصلحة أرجح في أن يتولى الوظائف وإن كان الخليفة ظالما.

ويمكن القول إن المنهج السياسي عند مالك كان يتسم بطابع الاستقلالية، ذلك أن مالكا إمام بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وأن منهجه في علاقته بالسلطة الحاكمة جزء من منهجه الكلي في استنباط الأحكام، فجاء منهجه السياسي ثمرة نظر وتفقه سياسيين وليسا ثمرة تأثر أو تقليد.

هذا، ولا يلزم من الاستقلالية في الفكر عدم التوافق في بعض الجوانب، وبناء على عدم اللزوم هذا، نفسر ما وجد من توافق في بعض جوانب الاجتهاد السياسي عند مالك مع الجوانب المناظرة من الفكر السياسي عند شيوخه.

الخاتمة

خلصت في هذا البحث إلى نتائج من أهمها:-

= ما انفك مالك يعتمد المستندات الشرعية والضوابط الفقهية في عمله السياسي، حتى شكل ذلك ثابتا من ثوابت المنهج السياسي عنده.

= كان مالك يقبل عطايا الخلفاء، وكان جوهر فلسفته في منهجه ذلك أن الخلفاء لايعطون من خاصة مالهم، ولكن من بيت المال، والعالم له حق في بيت المال لقاء تفرغه للتربية والتعليم والفتيان

= اعتمد مالك المنهج الإصلاحي بالنصح والمشاركة السياسية، وذلك نزولا على مقتضيات الواقع ; فقد وجد أن مافي المنهج الانقلابي من المفاسد أعظم مما فيه من المصالح.

= الدافع الأساسي وراء أصل فكرة تأليف كتابه"الموطأ"كان سياسي ا، هو توحيد القضاء الاجتهادي على رأي واحد

= أصل المصلحة كان مستندا بارزا في فكره السياسي.

= منهج مالك في العمل السياسي كان ثمرة نظر واجتهاد، وليس ثمرة تبعية أو تقليد، فجاء متسما بالاستقلالية والمنهجية، مما يستحق معه مالك أن يوصف بأنه إمام كبير من أئمة الفكر السياسي الإسلامي.

والحمد لله رب العالمين

الحواشي والتعليقات

السيوطي، جلال الدين، تزيين الممالك بمناقب الإمام ملك، ص 302، ومعه مناقب مالك للزواي، المطبعة الخيرية، 1325، والسيوطي، طبقات الحفاظ، ص 809، القاهرة، ط1، 1973م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت