الصفحة 3 من 21

وكان -رحمه الله- يكره الجدل والخصومة والنزاع، سواء في ميدان الفكر والعلم النظري وفي الميدان السياسي، وسوف يأتي بحث الجانب السياسي، أما في جانب الفكر والعلم النظري فجاءت روايات نذكر بعضها:

قال الشافعي: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما أنا فإني على بينة من دينه، وأما أنت فشاك، إذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. (19)

وروي أنه قال: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم (20) .

وقال له الرشيد يوما: ناظر أبا يوسف- صاحب أبي حنيفة -فقال مالك: إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة (21) .

وقيل له: الرجل عالم بالسنة، أيجاد عنها، قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه والإ سكت.

فكان مالك يرى الجدل مفسدا للدين، ومبعدا للناس عن الوحي، فلم يكن من منهجه في العلم الخوض في الجدل والخصومة، فانسجم منهجه في العلم مع منهجه في السياسة وهو عدم الميل إلى الصراع والعنف، وحب الأمن والاستقرار، وهو ما سيأتي بيانه-إن شاء الله.

وقد استوعى مالك السنة واستوعب الفقه وأصوله، واستجمع فتاوى الصحابة، حتى شهد له سبعون من أكابر فقهاء المدينة بالكفاية للتدريس والإفتاء فقد روي عنه قوله:"ماجلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أن لي موضع لذلك". وقوله:"قل رجل كنت أتعلم منه ما مات حت n يجيئني ويستفتيني" (22) . وكان إماما في العقيدة وعلوم الشريعة، وصاحب منهج متميز في الاجتهاد. ونشأت على أساس من منهجه مدرسة متميزة في الفكر الاجتهادي في الفقه وأصوله نسبت إليه وأطلق عليها"المذهب المالكي".

ثانيا: الحياة السياسية في عصر مالك (23) :

كان من مشايخ مالك وأهله من شاهد كثيرا من الأحداث السياسية في القرن الأول الهجري أو سمع من أنبائها، لاسيما أنباء الخروجات والثورات، فسمع مالك من تلك الأنباء، وشاهد بنفسه أحداثا سياسية وقعت في المدينة، وسمع أنباء أحداث وقعت في عصره ضد بني أمية، وعاصر خروج العباسيين على الأمويين واستيلاء العباسيين على الخلافة، وانتهاء أمر الأمويين في المشرق الإسلامي.

ولعل مالكا أدرك أن الخروج والثورة كان هو الطابع الغالب على الحياة السياسية منذ أن حاصر الأحزاب المدينة وقتلوا عثمان سنة خمس وثلاثين للهجرة، وكان مالك بن أبي عامر جد الإمام مالك أحد أربعة حملوا عثمان بعد قتله- رضي الله عنه-إلى قبره بالبقيع. (24)

وعلم مالك بوقعة الجمل بين جيش علي وجيش عائشة وطلحة وابن الزبير، ثم الفتنة بين علي ومعاوية، ووقعة صفين، وخروج الخوارج على علي وقتله سنه أربعين، وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية والصلح بين الأمة على يد الحسن -رضي الله عنه-،وأثر ذلك على الأمن والاستقرار في الدولة، وثمرات ذلك على الدين والدعوة والفتوح الاسلامية في عهد معاوية.

وعلم مالك بأنباء أخذ البيعة ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالإكراه وخروج الحسين بن علي على يزيد ومقتل الحسين سنة إحدى وستين، وفرار ابن الزبير من المدينة إلى مكة هربا من الإكراه على البيعة ليزيد، ومحاصرة جيش يزيد له في الحرم ونصب المنجنيق عليها وضربها واحتراق استارها وخشبها، وتصدع جدرانها.

وكذلك، جاءه من أنباء وقعة الحرة سنة ثلاث وستين حيث استولت جيوش يزيد بن معاوية على المدينة بسبب إعلان أهلها خلعه لما علموا من أنباء فسقه وجوره، فاستباحها قائد جيش يزيد واستباحتها، ووقع الجنود على النساء ونهبوا الأموال، قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة ممن حمل القرآن. (25) وكذلك، تناهى إلى مالك خروج التوابين بقيادة سليمان بن صرد على عبيدالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت