بن زياد في خلافة مروان بن الحكم سنة خمس وستين ثأرا للحسين، بعد مقتل سليمان بن صرد وأصحابه، ثم خروج إبراهيم بن الاشتر النخعي بالكوفة وقتله عبيدالله بن زياد سنه سبع وستين، ثم مقتل عبدالله بن الزبير سنه ثلاثة وسبعين، بعد أن حاصرته جيوش عبد الملك بن مروان داخل الحرم وضربت الكعبة بالمنجنيق، حتى أصيب ابن الزبير وقتل.
وسمع مالك الكثير من أبناء ثورات الخوارج في أرجاء الدولة الإسلامية، وشاهد بعضها.
ولعل مالكا نشأ على سماع أخبار الفتن والصراعات، والقتل وسفك الدماء وإزهاق الأرواح وأدرك أثر ذلك على الأمة والدولة والدين والدعوة، وأن ذلك لم يقم حقا ولم يدفع باطلا.
وقد رأى مالك أن العباسيين استولوا على الخلافة بطريق الخروج والثورة ولم يكن حالهم بأحسن من حال الأمويين، فقد عضوا عليها وجعلوها وراثية فيهم، وواجهوا العلويين الذين كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة بالقمع والاضطهاد والتضييق والتشريد.
كذلك، شاهد مالك كيف أن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم تستباح حرماتها، ويقتل العباسيون فيها أبناء المهاجرين والأنصار، ويستذلونهم في سبيل إقرار الأمن لمصلحة حكمهم وولايتهم.
وشاهد مالك خروج (محمد) النفس الزكية بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في المدينة على أبي جعفر سنة مائة وخمسة وأربعين، وما نتج عن ذلك من تضييق على أهل المدينة جيران رسول الله-صلى الله عليه وسلم- واضطهاد لآل علي بن أبي طالب وتقييدهم وجلبهم إلى العراق.
وبعد ذلك وفي السنة نفسها خرج إبراهيم أخو النفس الزكية في البصرة على أبي جعفر وكانت نهايته وأصحابه الهزيمة والقتل.
وقبل ذلك خرج زيد بن علي بن أبي طالب، وهزم وقتل سنه 221هـ، وقتل من معه وخرج بعده ابنه يحيى وهزم وقتل من معه إلا من هرب فنجا.
وفي سنه مائة وثلاثين استولى أبو حمزة الخارجي على المدينة وقتل كثيرا من أهلها، ولعل مالكا أدرك مبكرا أن الخروج يرهق الأمه ويشتت شملها ويفرق صفها، وليس من السهل الميسور على من استولى على السلطة بالقوة أن يفرط بكرسي السلطة أو يفرط في العض عليه وتوريثه لذريته.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمة ومصالحها والدعوة ومقاصدها ستضيع بين متطلع إلى السلطة مهما كان مقصده من الوصول إليها، ومستول عليها متشبث بها، ولا يدرى هل من سيصل إليها سيكون مثل المستولي عليها أو أسوأ حالا.
وإن مواقف مالك كما سيأتي لتدل على أن الواقع الذي سمع مالك بعضا من أبنائه أو شاهده قد رسخ لديه قاعدة فكرية ما أنفكت تترسخ لديه، وهي أن أول ما ينبغي أن يعنى به ويسعى إليه هو الاستقرار السياسي في الدولة، والأمن للأمة والنصح للأئمة، وذلك لما للعنف والصراعات من أثر سيء وثمر نكد على الأمة والدولة وعلى الدنيا والدعوة.
ولعل مالكا قد ترجح لديه أن المفسدة في ظلم أولى الأمر إذا رافقه استقرار سياسي واستتباب للأمن أخف وأهون من المفسدة التي تقترن بالعنف والصراع أو تعقبه، فإن القتل والتشريد والتضييق وضنك العيش المصاحب للخروج على ولي الأمر أو الناتج عنه لا يصيب الخارجين خاصة.
وإن هذا ما يمكن في نظر الباحث أن يفسر به دوام حرص مالك على بذل الطاعة والتزام الجماعة، ولكنها طاعة العالم الإمام، الحريص على نصح ولي الأمر، والذي لا يخاف في الحق لومة لائم فلم يكن- رحمه الله-ملاينا ... للخلفاء، ولا مبالغا في احترامهم، ومما يروى في ذلك قوله: دخلت على أبي جعفر مرارا وكان لا يدخل عليه أحد من بني هاشم ولا غيرهم إلا قبل يده ولم أقبل يده قط (26) .