كذلك، أشار أبو جعفر إلى أنه عالم بمنهج مالك وعدم ميله الى النشاط السياسي المعادي، وحرصه على النشاط الإصلاحي وتجنبه كل ما من شأنه أن يهيج الأمة أو يوقض الفتنة، ولم يخف أبو جعفر رضاه عن مالك، واعترافه بأن منهج الإصلاح بالمناصحة وهجر الخروج له كبير الأثر في إقرار الأمن، وكان ابو جعفر يسعى لاقرار الأمن، لاسيما في المدينة التي كانت تمثل مركز خطر سياسي على السلطة العباسية، وكان ولاء عامة أهلها للخارجين وليس للسلطة الحاكمة، وكانوا قد تجرأوا على الاستنكاف عن الطاعة للعباسيين، حتى
وصفهم أبو جعفر بأنهم أسرع الناس إلى الفتنة ووصف مالكا بمنهجه الإصلاحي بالمناصحة بأنه أمان لهم من عذاب الله.
ولعل أبا جعفر أيقن أن مالكا ناصح أمين، غير متطلع لشق عصى الطاعة ومعارضة الجماعة، عازف عن التكلم في السياسة، قدير على أداء ما يعهد إليه، لذلك عزم على منحه سلطة عامة رقابية ومحاسبية يخضع لها الناس جميعا في الحجاز بما فيهم الولاة والقضاة; فقال له:؛إن رابك ريب في عامل المدنية أو عامل مكة، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء سيرة في الرعية فاكتب إلي بذلك، أنزل بهم ما يستحقون، وقد كتبت إلى عمالي بهذا، وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك (42) .
لقد قبل مالك ذلك المنصب السياسي العام والعالي الذي استحدثه له أبو جعفر، فتربع مالك على قمة هرم الإدارة والحكم في الحجاز كلها، وأصبح نائبا أول للخليفة في شؤون الرقابة العامة والمحاسبة السياسية في تلك الولاية.
وإن قبول مالك لتلك الولاية ليدل على استقرار منهجه لديه، وهو منهج الإصلاح عن طريق المشاركة السياسية، وعلى دوام هجره منهج العداء أو البعد عن السلطة السياسية سبيلا، لكن مما تجدر الإشارة إليه هنا أن المشاركة السياسية التي قبلها مالك كانت مشفوعة بتمكنه من تحقيق الإصلاح الذي كان ينشده.
وإن مما ينبغي أن يكون شرطا لأصحاب المنهج الإصلاحي الذين يتوسلون إلى الإصلاح بالمشاركة السياسية أن يمكنوا حقيقة وواقعا من تنفيذ منهجهم الإصلاحي، والإ غدت مشاركتهم السياسية هزيلة الثمرة، وصاروا بذلك أبعد عن أن ينالوا من الناس الثقة.
هذا، وليس أدل على سعة صلاحيات مالك التي أكسبتة إياها مشاركته السياسية من الهيبة العظيمة منه التي وقعت في قلوب الولاة والقضاة، فمما وصل إلينا من أنباء ذلك ما ذكر الشافعي أنه حمل كتابا من والي مكة إلى والي المدينة يطلب منه إيصال الشافعي إلى مالك، قال الشافعي فأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلم ا قرأه قال: يا فتى: إن المشي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيا راجلا أهون على من المشي إلى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذل ة حتى أقف على بابه (43) .
وكذلك، سأله القاضي جرير بن عبد الحميد عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل: إنه قاض. فقال: أحق أن يؤدب، احبسوه; فحبس إلى الغد (44) .
ولم تقتصر مشاركة مالك السياسية على تسلمه منصب الرقابة المحاسبية على الرعية ورجال الحكم والقضاة في الحجاز، فقد تسلم أيضا منصب الإفتاء في المدينة، وأمر أبو جعفر أن ينادى:"ألا لايفتي الناس في المدينة إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب (45) ، فانجمع لمالك منصبان سياسي ان هام ان يعد صاحبهما من علية رجال الدولة ومن المتقدمين من أفرادها جهاز الحكم والإدارة فيها، وحظي باحترام عظيم من قبل أبي جعفر، فكان إذا دخل عليه لايكاد يراه حتى يناديه:"إلى ههنا يا أبا عبدالله، أنت حقيق بكل خير وإكرام (46) .
وكذلك، أراد أبو جعفر توحيد الأمة على مذهب واحد في القضاء الاجتهادي، ووقع اختياره على مالك لتكون آراؤه مذهب الدولة، فعزم على تأسيس سلطة تشريعية اجتهادية، وعزم على حصر تلك السلطة في شخص مالك، وأناط به صلاحيات أشبه ما تكون بصلاحيات تقنين الأحكام التشريعية في الجانب التشريعي.