وورد أن أبا جعفر المنصور قال لمالك:"ضع هذا العلم ودونه ... واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، ولنحمل الناس-ان شاء الله -على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها. فقال مالك"أصلح الله أمير المؤمنين، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل (47) .
من كل ما سبق يتبين أن مالكا ما كان يجد حرجا في المشاركة السياسية، لكن ينبغي أن لا نطلق نسبة ذلك إليه، ذلك أنني لا أظن أنه كان سيقدم على المشاركة السياسية لو لم يعلم أنه سيتمكن من ممارسة منهجه الإصلاحي، وأن ما سيترتب على المشاركة من المصالح أعظم مما سيترتب عليها من المفاسد وهو في ذلك يغفل ما تستجلبه مشاركته من مفسدة إيذاء شريحة من الناس لسمعته، باتهامهم إياه أنه من علماء السلاطين أو علماء الدنيا، وذلك ما قد وقع فعلا من قبل، فقد قال له بعض تلاميذه في شأن دخوله على الخلفاء: إن الناس يستكثرون أنك تدخل على الأمراء فقال: إن ذلك بالحمل على نفسى، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي (48) ، فهو يعد مصلحته الخاصة ملغاة في جانب مصلحة الدين والأمة، فيرضى بالدخول على الأمراء لئلا يستفرد بهم الفساق وأهل الفساد. إذ مصير احتكار الفساق وأهل الفساد للشورى، أن يحتكروا الوظائف العليا في الدولة، فينخر الفساد مؤسسات الدولة
كذلك مما يمكن أن أفسر به عدم تردد مالك في قبول المشاركة السياسية هو خصال الخير التي ألفاها في أبي جعفر، ومنها: خصلة العلم، فورد أن مالكا قال في شأن مقابلته لأبي جعفر:؛ ثم فاتحنى -يقصد أبا جعفر - فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس، ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظا لما روى (49) ، لقد جمع أبو جعفر بين الإمامتين: إمامة العلم وإمامة الحكم. وكان لا يجهل ذلك من نفسه، فقد قال لمالك في مقابلته له بمنى:"لم يبق في الناس أفقه مني ومنك (50) ، وفي رواية:؛ يا أبا عبدالله، ذهب الناس فلم يبق غيري وغيرك (51) ، ويؤكد ذلك مناظرات دارت بينه وبين مالك في المسجد النبوي (52) ."
ولعل خصال الخير في أبي جعفر حرضت مالكا على قبول المشاركة السياسية، كما حرضه على ذلك خوفه من أن يحتكر الفساق وأهل الفساد الوظائف العامة والعليا في الدولة، فيتأصل الظلم ويتجذر الفساد، واطمئنانه إلى أن صلاحياته في تحقيق الإصلاح ستكون واسعة.
وأرى أن تلك الضوابط كانت تمثل عند مالك ثوابت في منهجه السياسي; كان بناء عليها يحدد موقفه من المشاركة السياسية رفضا أو قبولا.
سادسا: منهجه في موقفه من الخروج على السلطة السياسية:
كان محمد النفس الزكية أفضل آل البيت في زمانه حتى بلغ من فضله وإمامته أن عقد الهاشميون ومنهم العباسيون البيعة له للخروج على الأمويين لكن العباسيين خرجوا على الأمويين قبله، فاستولى أبو العباس السفاح على السلطة، ثم جعل الخلافة من بعده لأخيه أبي جعفر.
وخشي العباسيون حركة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، فجعلوها أولى أولوياتهم السياسية، فجهد أبو العباس لاعتقاله وأخيه، لكنه فشل ومات قبل أن يتحقق له اعتقالهما. وتابع أبو جعفر سياسة أبي العباس لاعتقال محمد وأخيه والقضاء على حركتهما، فلم يفلح; فقبض على أبيهما عبدالله فلم يزل يؤذيه ويبالغ في أذاه حتى استفز محمدا، فأعلن الخروج في المدينة فقال أبو جعفر": استخرجت الثعلب من ج حره" (53) ."
وكان مالك إذا قال أهل المدينة: إن في أعناقنا بيعة للمنصور قال لهم: بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين (54) ، فأسرعوا إلى محمد. ولم يتخلف منهم عن الخروج معه سوى القليل (55) .
وذكر (56) أن أحد الطالبيين شكى إليه مالحقهم من أذى واضطهاد، فقال مالك: اصبر حتى يأتي تأويل هذه الآية:"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض فنجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (57) ، وقد استفتاه الرشيد عن حكم قتال من خرجوا على السلطان، فأجابه مالك:"إن