الصفحة 108 من 113

... وكان ابن تيمية مدركًا لطبيعة عصره، متفهمًا لحقيقة الصراع، وكان على يقين بحاجة الأمة في مصر والشام إلى ولاية شرعية عامة، تقف وراءها لمواجهة الفتن، ولم يكن أمامه من يصلح لتمثيل تلك الولاية إلا المماليك، فقد رأى فيهم قوة للدين بالرغم من مثالبهم المتعددة، فأعطاهم تأييده المشروط وهو الطاعة في المعروف.

... لقد استطاع هؤلاء المماليك أن يؤسسوا حكمًا مستقلًا، فكانوا بذلك أملًا في الخروج من المحنة، ورأى ابن تيمية المصلحة في شد أزرهم وتقويم اعوجاجهم وتقويم الأمة بهم حتى تتعافى أمام الصعاب.

... والمتأمل في سيرته رحمه الله يرى أنه كان يستمد من تلك السلطة العون بعد الله في إنكار المنكرات، ومواجهة أصحاب البدع والمحدثات، الذين زادوا الأمة ببدعهم وهنًا على وهن.

... وبالنظر إلى عداوته الشديدة لهؤلاء المبتدعة وأمثالهم من الأحمدية والكسروانية والحشاشين، فقد سعى جاهدًا لإزالتهم من الوجود، وحث السلطة على إبادتهم قدر الإمكان.

... وقد أعلن حربًا لا تعرف الهوادة ضد فكر الصوفية الغلاة، وخاصة ابن عربي الملحد، فلم يدخر وسعًا في تفنيد آرائه ونقض أفكاره، وكذلك إقناع الحكام بوضع حد لسريان خدعه وبدعه وضلالاته التي كانت تسري في العامة سريان النار في الهشيم.

... لقد رأى ابن تيمية أن أوضاع المسلمين تسير نحو الأسوأ إذا تُرِكَ أمثال هؤلاء الذين يوجهون الأمة نحو الشعوذة والسحر والخرافة بما ينتهي بهم إلى ضروب من البدع الاعتقادية الشركية.

... ولم يشأ أن يقصر جهده على مقاومة العدو الخارجي، بل كان على يقين أن عدو الداخل من المنافقين، هو السند والمعين لعدو الخارج {هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون:4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت