... وفي شعيب (غبيرة) كان الناس يأتون من المنكر ما لا يعهد مثله عند قبور الصالحين وخاصة عند القبر الذي يزعمون أن فيه (ضرار بن الأزور) وكانت طوائف من الخلق تأتي إلى شجرة"الطرفية"فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا رزقوا ولدًا لعله يسلم من الموت! هذا في بلاد نجد، أما في بلاد الحجاز، فلم يكن الأمر بأقل سوءًا من هذا؛ ففي مكة كانت تعلو الاستغاثات والأدعية عند قبر (أبي طالب) وقبر (المحجوب) وكان تعظيم هذين القبرين يفوق تعظيم الكعبة عند كثير من الجهال؛ حتى إن السارق أو المعتدي أو الغاصب إذا لجأ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، أما إن تعلق بالكعبة فإنه يسحب فيها بالأذيال؛ تفريطًا منهم بحقها.
... وكذلك كانت ترتكب الشنائع الاعتقادية والأخلاقية عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها في"سَرِف"، وكذلك عند قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في"المعلاّة".
... وفي الطائف كان قبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يُتخذ مزارًا يقف أمامه المكروبون مستغيثين، والخائفون متضرعين، وأصحاب الحاجة والمسألة داعين مسترزقين.
... أما في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فقد خالف الناس سنته، واتخذوا قبره عيدًا، وهو الذي برئ من ذلك وقال (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ) ) (1) .
... ولكن تلك المظاهر الوثنية التي حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها تسللت إلى جزيرة الإسلام، وأبت إلا أن تشوه نقاء التوحيد فيها، وحق على بعض أهلها قول الرسول: (( لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ) ) (2) . فتعددت البقاع التي يعصى فيها الله بتلك الموبقات.
... فإلى جانب ما ذكرنا كانت ذرائع الشرك تقام على نطاق كبير في الأماكن المحيطة بالمدينة، وفي المزارات التي تكثر فيها مقابر الصحابة، في قباء والبقيع وغيرها.
(1) واه الإمام مالك في"الموطأ" (85) .
(2) بوداود وابن ماجة وإسناده صحيح.