... أما الصورة الثانية للمولد: فهي الاحتفال به في المساجد والزوايا الخاصة: وفيها يتم قراءة كتاب المولد المؤلف لكل طريقة، وإطعام الطعام لا سيما في الليلة الختامية، ويكون صبيحة هذه الليلة عطلة رسمية في البلاد بمناسبة ميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى؟
... يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول:"ينصبون خيامًا كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالَم الأكبر من أخلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون، ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلًا ونهارا"ً (1) .
... فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة"مولد"تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط. فالمولد أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكانًا للهو والرقص والغناء الساقط. فليس هذا خاصًا ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو احتفالات أو أعراس للأضرحة.
من الأسباب التي أدت إلى ظهور المقامات والأضرحة
دور الباطنية والشيعة في بناء وتقديس القبور والمقامات:
... قال شيخ الإسلام:"ولم يكن في العصور المفضلة"مشاهد"على القبور، وإنما كثر بعد ذلك في دولة بني بويه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك."
(1) هذه هي الصوفية" (ص161) ."