الصفحة 56 من 113

... إن الذي حمل عبّاد القبور على كل ذلك وحمل غيرهم على نظيره هو إشباع (التأله) لدى قلوبهم المحرومة من التأله للإله الحق؛ وهذا ما يقرره الإمام ابن تيمية رحمه الله حين يقول:"ومن لم يكن محبًّا مخلصًا لله، عبدًا له، قد صار قلبه معبّدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلًا له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين. وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفًا مقبلًا على الله معرضًا عما سواه، كان مشركًا" (1) .

... ويقرر ذلك أيضًا تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله، حين يقول:"العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة" (2) .

... وهذا ما تقرره أيضًا الدراسات الإنسانية الحديثة، فقد أيدت دراسات الأنثربولوجيا"علم الإنسان"و"علم الأديان"أن الحاجة إلى الدين موجودة عند جميع الناس في كل العصور وفي جميع المجتمعات، فالإنسان منذ القدم وهو يبحث عن إله يعبده، ويتوسل إليه، يعتقد أنه قوي مسيطر على الكون، خالق كل شيء، حي لا يموت (3) .

... وهذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين: لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبدًا مدن بلا معابد.

(1) سالة"العبودية" (ص66) .

(2) الجواب الكافي" (ص264) ."

(3) الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام" (ص103) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت