الصفحة 55 من 113

... وهذا الموقف النفسي يرصده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما يتحدث عن تفرق القبوريين حسب تمسك كل منهم بالضريح الذي تتوق نفسه إليه، فيقول:"ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم قد فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم، ويقولون: الدعاء عند قبره يستجاب، وقلوبهم معلقة به دون غيره من قبور الأنبياء والصالحين وإن كان أفضل منه، كما أن عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد ما يألهه وإن كان غيره أفضل منه".

... وهكذا هي في تراثهم الشعبي، فيقول المثل الشعبي:"الشيخ البعيد سره باتع"، أي: صاحب الضريح البعيد سره مؤكد مقطوع به، والبعد: مسألة نسبية، فالبعيد بالنسبة إلى هؤلاء قريب لغيرهم، والقريب إليهم الذي لا يرغبونه بعيد عن غيرهم، فما الذي يجعل الضريح البعيد مرغوبًا أكثر من غيره؟ إنه شوق القلب وحنينه الذي يساعد البعد في تولده. وهذا ما يعبرون عنه في مثل آخر يقول:"ابعد حبة - بعض الشيء - تزيد محبة". فتعلق القلب رغبة ورهبة ومحبة تجعل آمال وآلام الزائرين لا تمضي إلى أي ضريح بالمصادفة، ولكن شهرة الولي واختصاصه بالشفاعة، والبعد المكاني، لهم تأثير كبير في قصد الزيارة ؛ فالضريح الذي نتكبد إليه مشاق السفر يصبح أكثر جذبًا ورهبة من ذلك الضريح القريب المتاح زيارته في أي وقت.

إشباع رغبة وفطرة التأله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت