... فكلما توغل القبوري في غيّه كلما حرص على إبراز قوة الارتباط والتعلق بالضريح وشدة تعظيمه وغلوه فيه، وفي ذلك قال ابن الرومي في"شرح المختار": قد قرر الشيطان في عقول الجهال أن الإقسام على الله بالولي والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك ، وعلى ذلك فقد يقسم الأعرابي بالله دفعات متوالية على أنه يخشى أن يذكر اسم شعيب بالكذب مرة واحدة؛ لأنه مظهر الأسرار وموضح الخفيّات.
... وعندما سئل أحد التجار: لماذا يقسم بصندوق ضريح القرية، ولا يقسم بالله عندما يحاسب زبائنه؟ أجاب: إنهم هنا لا يرضون بقسم الله، ولا يرضون إلا بقسم صندوق نذور الضريح أو سور الضريح لسيدنا فلان.
... فهل هذا إلا للتعظيم والإجلال والرهبة وتعلق القلب بالضريح وصاحبه؟ وأحوالهم في ذلك عديدة: فمقام النبي هارون بالأردن: يهجع الزائر المؤمن تحت ظله فيشعر بما لا يوصف من المسرة والحبور، وتزور المرأة العاقر مقام النبي يوشع حافية خاشعة، وتجثو أمام الضريح وتقبله بدموع وتضرع .. ومنهن من يرقدن الليالي الطويلة بين أسواره بالصوم والصلاة ثم يغادرنه وفي أنفسهنّ الآمال والمسرات.
... ويلخص هذا التعلق أبو الثناء الآلوسي عندما يصف موقفًا مر به في إحدى زياراته للأضرحة والمزارات، فيقول: حتى أتينا قرية يقال لها قارحين وهناك قبر عليه قبة ثلجية قد زرناه فلم نحس منه بروحانية.
... ويقول البريلوي أحمد رضا المسمي نفسه بعبد المصطفى: إنني لم أستعن في حياتي بأحد ولم أستغث بغير الشيخ عبد القادر، وكلما أستغيث أستغيث به، ومرة حاولت أن أستغيث وأستعين بولي آخر، وعندما أردت النطق باسمه للاستغاثة والاستعانة ما نطقت إلا بـ (يا غَوْثاه) ، فإن لساني يأبى أن ينطق الاستعانة بغيره (1) .
(1) البريلوية" (ص58) ."