النتائج السابقة حددت معنى التصوف في أمرين، هما: الفناء، والتخلق بأخلاق الله تعالى. وتمييز التصوف بمجردهما متعذر؛ كون الأول مصطلح مشترك لمفاهيم متعددة، والآخر غامض، لا يعرف حدّه.
فالفناء في اللغة: الزوال، والاضمحلال، قال تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمن 26] ؛ أي زائل مضمحل، ويحتوي من المفاهيم ما يلي:
الفناء الإرادي؛ بمعنى زوال الإرادة الخاصة.
الفناء الصفاتي؛ بمعنى زوال واضمحلال الصفات الخاصة.
الفناء الذاتي؛ بمعنى زوال واضمحلال الذات الخاصة.
وهناك مفهومان آخران، ليسا بجديدين كليا، هما:
الأول: الفناء الشهودي؛ بمعنى ألا يشهد الفاني في الكون سوى الله، من جهة الفعل.
الثاني: الفناء الوجودي؛ بمعنى ألا يرى الفاني في الكون سوى الله، من جهة الذات.
والفناء الصفاتي جزء من الفناء الشهودي. ففي هذا الفناء: لا يزال يفني عن رؤية كل الأشياء، حتى يفنى عن رؤية نفسه وصفاتها، فيعتقد أن الله تعالى تمثل في كل شيء: فاعلا، خالقا، مالكا. وثمة فرق بين الصفاتي والشهودي:
فالصفاتي يختص بذات واحدة، تفنى صفاتها. والشهودي فناء صفات كل الأشياء.
والفناء الذاتي جزء من الفناء الوجودي. وفي هذا الفناء: لا يزال يفنى عن وجود الأشياء، ووجود نفسه، حتى يستهلك في وجود الحق. وثمة فرق بين الذات والوجودي:
فالذاتي خاص بذات واحدة، هي التي تفنى. وهذا ما يعبر عن بالحلول الخاص.
والوجودي عام بكل الذوات هي التي تفنى. وهذا ما يعبر عنه بالحلول العام.
فتحصل بهذا: خمسة أنواع للفناء. وهي مستحصلة بالتأمل في معنى الفناء، وأكثرها ذكرها المتصوفة وغيرهم، من الذين لهم عناية بالتصوف. (1)
فأيها المراد بالذات، والكنه، والحقيقة في الفكر الصوفي: أكلها، أم بعضها ؟!.
فهذا يحتاج إلى تحديد دقيق ؟.
وفي التخلق بأخلاق الله تعالى مفهومان، هما:
الأول: تخلق كامل؛ أي بكل الصفات.
(1) - انظر: التعرف ص148، الرسالة 1/228، مدارج السالكين 1/173،177.