فالجواب أن يقال: هذا الاعتراض يتضمن أمرين، هما:
الأول: تقسيم الفكرة إلى: أصل، وطارئ.
الثاني: جعل أصل فكرة التصوف: محمودا.
-فأما الأول: فممكن غير ممتنع أن يكون مصطلح"التصوف"موضوعا لمعنى معين، ثم طرأ عليه ما يضاد ويناقض المعنى الموضوع، فاستعمل بعدئذ في المعنيين: في الأول حقيقة، وفي الثاني تجوزا.
لكن هذا لا يلغي التقرير الآنف المتضمن: امتناع وجود فكرة تحمل معنيين متناقضين؛ لأن الامتناع من جهة الأصل، وأما الإمكان فمن جهة الطروء، وشتان ما بينهما.
فكلامنا في الأصل، وقد تقدم التنبيه على هذا بالقول: ( في ذاتها ) ؛ والمعنى: في أصل ما وضعت له. والمعتبر الأصل، فالحكم يتبعه حمدا أو ذما، وأما الطارئ فهو دخيل، ولا حكم له، واستعماله في المعنى الأصل خطأ مردود. مثل استعمال مصطلحات: الديمقراطية، أو الاشتراكية، أو الليبرالية. للدلالة على الإسلام.
-وأما الثاني: فافتراض أن أصل مصطلح"التصوف"محمود..
هكذا ابتداء، فتلك دعوى لا تقوم إلا ببرهان..!!.
فإن للمعترض أن يعكس فيقرر أنه مذموم، فيطالب هو أيضا بالبرهان ؟.
فرجع تحصيل الحقيقة إلى البرهان في كل حال.
وما دام أنه تقرر: امتناع جمع الفكرة بين النقيضين، من جهة أصلها. فإن المهمة التالية هي: التحقيق في هذه المسألة، بتحديد أصل التصوف.. ما هو ؟.
أهو سني محمود، أم فلسفي مذموم ؟.
ثانيا: البحث في نسبة التصوف.
يبني كثير من المتصوفة والمتعاطفين معهم: تزكيتهم للتصوف. على أنه: مشتق من الصوف. ذلك اللباس المستحصل من جلود الأغنام.
فإذا كان مشتقا من الصوف، فما معنى ذلك ؟. وإلى أي شيء يرمي هذا التقرير؟.
الذي يرمي إليه: أن التصوف يمثل الجانب الزهدي التقشفي في الإسلام؛ كون اللباس الخشن يدل على العيش الخشن، ولا يعيش بالخشونة إلا الزاهد في متاع الدنيا.
فصورة هذا التقرير كما يلي:
المقدمة الأولى: المتصوفة يلبسون الصوف. (يقال: تصوف. إذا لبس الصوف) .