فهرس الكتاب
ثانيًا: كما ذكرتُ في تفسير «تابشى از قرآن» [شعاع من القرآن] إن هذه السورة مكية والخطاب فيها موجَّه إلى كفّار مكة الذين كانوا يقولون: لست يا محمد نبيًّا، فردَّ الله عليهم بقوله: قل لهم أُشهِد اللهَ على رسالتي وأُشهِد الذين لهم علم كافٍ بالكتاب. وشهادة الله على رسالة نبيّه هي إيجاده المعجزة، وهي هنا بيان القرآن مِنْ قِبَلِ فرد أمّيّ، ذلك القرآن الذي هو في أوج الفصاحة وقمة البلاغة والذي تضمّن أخبارًا غيبيةً، وغير ذلك من المزايا. والمُراد من العالِمِينَ بالكتاب أو من عنده علم الكتاب علماءُ اليهود والنصارى، لأن كتابهم بَشَّرَ برسالة نبيّ آخر الزمان، وفي النتيجة فقد شهد الله بهذه الكتب الثلاثة على نبوّة نبيّه: الشهادة الأولى القرآن الذي هو معجزة بذاته، والشهادة الثانية الإنجيل والثالثة التوراة، وهما كتابان سماويان في منشئهما، وتعود شهادتهما إلى الشهادة الإلهية. إن التدبّر بالقرآن يؤيد هذا المعنى الذي قلناه ويصدّقه، أن هذا المعنى ذاته قد بيّنته بكل وضوح آياتٌ عديدةٌ أخرى في القرآن أيضًا، من ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد/36] ، ولهذا السبب قال تعالى في نهاية السورة: قل إن شهادة علماء أهل الكتاب كافية لي، وكذلك أشار الله تعالى مرّات عديدة إلى هذا الموضوع في السور المكيّة، من ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} [الأنعام/20] [1] .
وقوله تعالى أيضًا: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف/157] .
(1) ... تكرَّر هذا الموضوع أيضًا في سورة البقرة المدنية، في الآية 146.