فهرس الكتاب
وإحدى العلل الأخرى لهذا الوضع المُضطرب وغير المُنتظم للحديث هو أن العلماء المُتأخِّرين تعصَّبوا لما وصلهم من الحديث ولم يقوموا بالبحث والتحقيق العلمي البعيد عن الأحكام المُسبقة في الموروث الحديثي، وفي الواقع لقد قلَّدوا الرواة السابقين الذين كان أكثرُهم رجالًا أُميِّين وخرافيِّين. وينبغي الانتباه إلى أنه في القرنين الثاني والثالث-وأكثر الأخبار الموضوعة وُضعت في هذين القرنين- لم تكن هناك حوزةٌ علميةٌ [أي مركز للدراسات الدينية والكليات الشرعية] تحقيقيَّةٌ، أو باصطلاح اليوم لم تكن هناك جامعاتٌ، كي يقوم العلماء فيها بتمحيص تلك الأخبار وعرضها على القرآن، بل كان كل من لديه نصيبٌ ولو قليلٌ من العلم يستطيع الكتابة ويأتي بدفتر ويُسجِّل فيه كلام كل شخصٍ موثوقٍ أو ساقطٍ غير موثوق، دون أن يكون له علمٌ بالعقائد الحقيقية لأولئك الذين يقوم بتدوين رواياتهم، وأهدافهم الحقيقية، أو يكون مطمئنًا إلى صدق أو كذب كلامهم وكونه كلامًا مُستندًا إلى الدليل أو لا دليل عليه. ولم يكن مُعظمُ أولئك الناقلين قادرين على مُطابقة تلك الأخبار على القرآن والتمييز بين ما يُخالف القرآن منها وما يُوافقه! ولم يكن لهم اطَّلاع كافٍ على تاريخ الإسلام القطعيّ.
فمثلًا كان الشيخ ابن بابويه القُميّ المعروف بالشيخ الصدوق كاسبًا يعمل ببيع الأرز في قم، وكان لديه دفترٌ فكان يقوم بأخذ دفتر كل من كان يظنه فردًا صالحًا وينقل مافيه إلى دفتره. ولذلك نجد في رواياته وآثاره أخطاءً فاحشةً يُستبعد أن يقع فيها حتى طالب العلوم الشرعية الذي لا يزال في مرحلة المُقدِّمات، مما يجعله مصداقًا لمقولة: أخطاء الكبار كبيرةٌ أيضًا. ولسنا هنا، بالطبع،في صدد ذكر كل أخطاء الشيخ الصدوق واحدًا واحدًا، ولكنناسنذكر على سبيل المثال ما رواه في الباب 34 من كتابه «عيون أخبار الرضا» أي «باب العلل التي ذكر الفضل بن شاذان» :