فهرس الكتاب
تذكيرٌ مُهِمٌّ: سنهتمّ بالقواعد والقوانين التي أشرنا إليها أعلاه عندما يكون متن الحديث غير معلول ولا مخدوش أي لا عيب فيه حسب الظاهر، أما إذا كان المتن مَعِيْبًَا وفيه عِلَّة قادحة فلن يصل الدور إلى نقد السند. وبعبارة أخرى إذا كان في متن الحديث أحد العيوب التي سنذكرها فيما يلي فإن الحديث سيُعتَبَر مردودًا ولو كان سنده يتمتّع بشروط الصحة جميعها. لأن أعداء الإسلام والمفسدين - كما قلنا في الصفحات السابقة - كانوا يضعون أحاديثهم دون أن يذكروا اسمهم، فكانوا ينسبونها إلى رواةٍ معروفين بِحُسْن السمعة، وفي الواقع كانوا يضعون لأكاذيبهم أسانيد صحيحة أو حسنة. لهذا السبب قلنا إن تمحيص المتن ودراسة مضمون الحديث مُقَدَّمٌ على التحقيق في سنده [1] .
(1) ... ضرب الأستاذ البهبودي على هذا النوع مثال «أبو المُفَضَّل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني» ، الذي وصفه الرجالي المعروف ابن الغضائري بأنه"وضاع كثير المناكير، رأيت كتبه وفيها الأسانيد من دون المتون، والمتون من دون الأسانيد». وقال البهبودي معلِّقًا على ذلك:"وهذا من أشد ما قيل في أحد من الوضّاعين، فإن وجود الأسانيد من دون المتون، يفيدنا أنَّ الرجل كان قد جرَّد من المَعاجم الحديثيّة أسانيد في دفتر وأعدَّها أن يُركّبُ عليها المتون، إذا احتاج إليها! وهكذا وجود المتون من دون الأسانيد، يفيدنا أنَّ الرجل كان يسرق حديث الآخرين أو يضع من عنده أحاديث ويُعِدُّها في دفتر ليكون على استعداد كامل من التزوير". (البهبودي، معرفة الحديث، ص 72) ، وكرر البهبودي الموضوع في كتابه وقال مُعَلِّقًا على صنيع «أبو المُفَضَّل محمد بن عبد الله الشيباني» هذا:"أقول: يعني أنه مع كذبه و وضعه، يُركِّبُ الأسانيد، بمعنى أنه يسرق الحديث ممن لَمْ يَرَهُمْ وَلَمْ يَلْقَهُمْ، ويُسنده إلى من رآه ولقيه!". (البهبودي، معرفة الحديث، ص 211) ."
وأحيانًا يكون السند صحيحًا وخاصٌّ بالحديث فعلًا ولكن المتن لم يُنْقَل بأمانة، وكمثال على ذلك ما رواه الكُلَيْنِيّ نفسه عن الإمام الصادق - عليه السلام - من شكواه من أصحابه قائلًا:"رَحِمَ اللهُ عَبْدًا حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ؛ أَمَا وَاللهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْ ءٍ، وَلَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْرًا!". (روضة الكافي، حديث 293) . وقد ذكر البهبودي هذا الحديث في ج3، ص 395 من كتابه صحيح الكافي، تحت رقم 4386. ولهذا السبب كان أصل تقييم الحديث بواسطة القرآن أهم أصل من أصول تقييم صحة الحديث ومعرفة درجته، وهو الأصل المُقَدَّم على سائر أصول تقييم الحديث الأخرى والحاكم عليها.