الفاسد، مقابل استعمال العلم في الظن الغالب، فالمعارضة بين الوهم والعقل إنما تنشأ من انجذاب النفس إلى استعمال آلة الوهم دون العقل، أو بالعكس [1] .
وعلاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي تكمن في أن الوهم الذي هو الخطأ والغلط، ينجم عنه طرفٌ أو اجتهادٌ مرجوحٌ، مقابل طرفٍ صحيحٍ، أو راجحٍ، أو ظنٍّ غالبٍ. وإذا أسقطنا هذا على موضوعنا، تحصل لدينا أن معنى الوهم في فهم النصوص الشرعية هو الاجتهاد المخطئ، الذي ينتج عنه فهمٌ مرجوحٌ مقابل فهمٍ صحيحٍ أو ظنٍّ غالبٍ.
وقد ذكر الوهم في مواطن عدةٍ منها حديث وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وفيه رواياتٌ اخترت منها ما صُرح فيه بلفظ الوهم، حين سها في صلاة الظهر فأخبروه بصنيعه فسجد للسهو وقال:"إنما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"، وقال:"إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب ثم ليتم عليه، ثم يسجد سجدتين" [2] .
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: وهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو مُحرِمٌ [3] .
الفرع الثاني: حكم الوهم في فهم النصوص الشرعية.
الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأً، بحيث يهم المجتهد بأي شكلٍ من أشكال الوهم، فيكون اجتهاده خارج دائرة الصواب، وحينئذٍ لا يخلو الأمر من حالين، كما قال ابن حزم:"ينقسم المخطئ المجتهد قسمين لا ثالث لهما: إما مخطئٌ معذورٌ كما قلنا، وإما مخطئٌ غير معذورٍ، وهو الذي يتعمد الخطأ بقلبه" [4] .
فإذا استجمع المجتهد شروط الاجتهاد، وبذل الوسع، واستفرغ الطاقة، وأدى ما عليه، لكنه وهم، وأخطأ، فهو معذورٌ ومأجورٌ، ولم"يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ؛ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِي"
(1) الكليات، لأبي البقاء الحنفي، ص 943.
(2) سنن النسائي، 3/ 29. قال الألباني:"إسناده صحيح على شرط الشيخين". صحيح أبي داود - الأم، 4/ 177.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، 3/ 242. قال الألباني:"صحيحٌ في إسناده". صحيح أبي داود - الأم، مرجع سابق، 6/ 109. وقد اخترت هذه الرواية لاشتمالها على لفظ الوهم، وإلا فالحديث أخرجه البخاري في صحيحه، عن عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» ، صحيح البخاري، 3/ 15. كما أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، صحيح مسلم، 2/ 1031.
(4) منقول بتصرفٍ من: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، 8/ 137 - 138.