فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 18

المبحث الرابع: نماذج معاصرة للتسويق والتجارة باسم الدين.

إن هذا السلوك المَشين ليس له زمنٌ ولا وطنٌ؛ فالتدليس والغش كانا منذ فجر الإسلام بنسبٍ قليلةٍ، لكنهما استفحلا لمَّا وَهَنَت الأخلاق وضَعُف الدين؛ وعليه، فإن عصرنا هذا يَعْرِف صورًا من الاستتار وراء الدين في التجارة وتسويق السلع، وسأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: البنوك الإسلامية.

لجأت بعض البنوك لاستجلاب اسم الإسلام قصد التأثير على العملاء الذين يطمحون في تعاملاتٍ ماليةٍ نقيةٍ بعيدةٍ عن الربا، لكن حقيقتها هي تقمص حال البنوك الإسلامية للتغرير بالمتعاقدين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ [1] " [2] .

وكل يدَّعي وصلًا لليلى .... وليلى لا تقر لهم بذاكا

ومن التلبيسات التي تقوم بها هذه البنوك، البيعُ الصوري والتورق المنظم وبيع السلع دون حيازتها أو بيع ما لا يملك، وغير ذلك من الصور التي تمتطيها هذه البنوك لتسويق منتوجاتها، قال نجيب الشامسي [3] :"ولكن مصارفنا الإسلامية التي يفترض أنها تأسست لتعزيز المفاهيم، وتأكيد القيم الإسلامية في العمل المصرفي، دون أن يكون هناك استغلالٌ، أو حتى استخفافٌ بالإنسان الذي يندفع إلى تلك المصارف خشية الوقوع في الحرام، نجد أن بعضها يمارس دورًا يتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها، فقد أظهرت بعض المصارف صورًا لا تليق بالمصارف الإسلامية" [4] .

ثانيا: علامة"حلال".

يتحرى المسلمون الحلال في أطعمتهم، بالأخص إذا كانوا في بلاد الكفار أو استوردوا الأطعمة منهم؛ ولذلك حملت بعض المنتوجات ما يسمى ب"علامة حلال"، حتى إذا رآها المستهلك الإسلامي اطمأن لها وأقدم على شرائها وتناولها. لكن البعض يستغل هذه العلامة في الترويج لسلعته، بل وقد يكون الطعام مشوبًا بمادةٍ محرمةٍ، ويضعون عليه هذه العلامة بغية تسويقه بين المسلمين؛ ويمكن الرجوع لأي محركٍ

(1) قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم، كما يذم من لبس ثوبي زور. قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع، ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، 14/ 110.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 7/ 35. وأخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1681.

(3) مدير إدارة الدراسات والبحوث بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وشغل عدة مناصب أخرى، منها: تعيينه رئيسًا لقسم البحوث والدراسات بدائرة البحوث والإحصاء بمصرف الإمارات المركزي.

(4) المصارف الإسلامية وصور الاستغلال، لنجيب الشامسي، صحيفة الامارات اليوم، بتاريخ 25 أبريل 2011.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت