فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 18

أَلِيمٌ [1] ، فهذه الآية [2] وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فَعل فِعلهم [3] ، لأنه جعل باطله شَرَكًا يصطاد به ما في أيدي الناس، فيظلمهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بِأَبْطَلِ الباطل [4] . وقد جعل البخاري رحمه الله هذه الآية عنوان بابٍ [5] أَوْرَد فيه أحاديث منها ما رواه عبد الله [6] عن النبي صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ مَالَ رَجُلٍ - أَوْ قَالَ: أَخِيهِ - لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ::"إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا"الآية إلى قوله:"عَذَابٌ أَلِيمٌ" [7] ، فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ اليَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ [8] . قُلتُ: فهذا الذي حلف بالله واستغل عهده ليستولي على مال أخيه ظلمًا، قد استغل الدين ليأكل المال بالباطل، ولهذا توعده الله جل وعلا بالعذاب الأليم.

وعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» [9] وفي رواية لأحمد [10] :وَتَلَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ [11] :مَاذَا لِمَنْ تَرَكَهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:"الْجَنَّةُ"قَالَ: فَاشْهَدْ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُهَا لَهُ كُلَّهَا.

قلتُ: لقد هَمَّ الكندي بالحلف كاذبًا والاستحواذ على حق أخيه لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَّره، ولو فعل ذلك لاشترى بعهد الله وبيمينه ثمنًا قليلًا، وهو ما ورد صريحًا في رواية الإمام أحمد رحمه الله.

وقال صلى الله عليه وسلم:"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ بِضَاعَةً فَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ" [12] .

(1) سورة آل عمران، الآية: 77.

(2) يقصد سورة البقرة، الآية:41، والمعنى واحد.

(3) تفسير القرطبي، لمحمد بن أحمد القرطبي، 2/ 12.

(4) تفسير السعدي، لعبد الرحمن السعدي، ص: 18.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 179.

(6) هكذا ورد في السند، ولعله عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه كما صرح بذلك الإمام أحمد في مسنده، 7/ 403.

(7) سورة آل عمران، الآية:77.

(8) عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين، وهو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان"، قال: فقال الأشعث: في والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألك بينة"، قلت: لا، قال: فقال لليهودي:"احلف"، قال: قلت: يا رسول الله، إذا يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى:"إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا"إلى آخر الآية. أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 121.

(9) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 123.

(10) أخرجه أحمد في مسنده، مرجع سابق، 29/ 254 - 255.

(11) وهو الكندي في الرواية الأولى.

(12) أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة: ومنها المعجم الكبير، 6/ 246. وقد صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، 7/ 1363، وفي صحيح الجامع الصغير وزيادته،1/ 589.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت