فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 18

قلتُ: إن هذا الرجل الذي يبيع ويشتري بيمينه جعل الله بضاعته، أي أنه سخر تعظيم الذات الإلهية في سبيل الحصول على ربحٍ مقيتٍ في تجارةٍ دنيويةٍ بائسةٍ، فاستحق بذلك الوعيد المذكور في الحديث.

ومما أُثِر في النهي عن الغش والخلابة، حديثُ ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أخدع في البيوع، فقال:"إذا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ"فكان الرجل يقوله [1] وفي رواية مسلم:"فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ [2] " [3] .

إن الغرض من الحديث هو النهي عن الخيانة والخداع في البيع [4] ، وقد بَوَّب البخاري رحمه الله بابًا عنوانه:"إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا"وساق فيه قول عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ:"لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ" [5] ، مما يدل على تحريم كتمان العيوب في البيع والتدليس على الناس بالمظاهر.

لقد تَحصَّل من النصوص السابقة تشديد الشرع على استغلال الدين في التسويق والمتاجرة وعلى أكل أموال الناس بالباطل.

المبحث الثاني: انخرام في العقيدة.

إن من يُقْدِم على التَمَظْهُر بشكل يدلس به على الآخرين للتأثير عليهم، وتغطية عقولهم لأجل ترويج تجارته، يدل على أن في قلبه دخنًا، لأن ما طفق على الظاهر سببه مرضٌ في الباطن، فالمدلس نوى هنا التعمية على أخيه باسم الدين، وهذه خصلةٌ من خصال النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم:"مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" [6] ، فالذي امتطى الدين ليغش العباد اجتمعت فيه صفات النفاق الثلاث: فقد كذب على من صدَّقه بناءً على مظهره والحقيقة خلاف ذلك، وأخلف الوعد الذي أبرمه على الصفاء والنقاء، وخان المتعاقد الذي ائْتَمَنه بناءً على الصلاح الذي ظهر عليه. ويمكن جمع هذه الصفات الثلاث في مخالفة الباطن للظاهر، حيث أظهر من الصلاح خلاف ما يبطنه من الغش والتدليس، قال ابن القيم رحمه الله:"فنهى [7] عن لبس الحق بالباطل وكتمانه ولبسه به"

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 120.

(2) لا خيابة، قال عياض: بالتحتية؛ لأنه كان ألثغ يخرج اللام من غير مخرجها. شرح الزرقاني على الموطأ، 3/ 510.

(3) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1165.

(4) الاستذكار، لابن عبد البر، 6/ 540. وفتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 12/ 336.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 58.

(6) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 78.

(7) وذلك في قوله تعالى:"وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"، سورة البقرة، الآية:42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت