فهرس الكتاب
فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم" [1] ."
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في موازنته بين المصالح والمفاسد راعى بين تاريخين:
ما تتوق إليه نفسه من عودة البيت إلى ما كان عليه من زمن إبراهيم - عليه السلام -.
-ما آلت إليه الأمور من خشيته من رواسب تاريخ فترة الجاهلية، كما روى ابن بطال عن أبي الزناد أنه قال:"إنما خشي أن تنكره قلوب الناس لقرب عهدهم بالكفر، ويظنون أنما يفعل ذلك لينفرد بالفخر دونهم" [2] .
2 -وأخرج مسلم من طريق جدامة بنت وهب، قالت: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في أناس وهو يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغِيلَة [3] ، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئا [4] . فالنبي - صلى الله عليه وسلم - همَّ بتحريم الغيلة ولم يفعل، لاستنتاجٍ تاريخيٍّ تَوَصَّل إليه بعد استقراء حال أُمَّتَين سابقتين هما الروم وفارس، واللَّتَين لم يتضرر أولادهما بالغيلة، فقاس عليهما حال المسلمين ولم يحرم الغيلة، قال الزرقاني رحمه الله:"لو كان الجماع حال الرضاع أو الإرضاع حال الحمل مضرا لضر أولاد الروم وفارس ; لأنهم يصنعون ذلك مع كثرة الأطباء فيهم، فلو كان مضرا لمنعوهم منه" [5] .
3 -قُتل عدد كبير من القراء في واقعة اليمامة، فخشي عمر - رضي الله عنه - على حفظة القرآن، لأنه كان محفوظا في الصدور ولم يكن مدونا في السطور، فأشار على أبي بكر - رضي الله عنه - بالمسارعة لتدوين القرآن، فتردَّد في بادئ الأمر، ليستقر في النهاية على رأي عمر - رضي الله عنه -، وفي هذا ذكر البخاري رحمه الله أن زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه - وكان ممن يكتب الوحي - قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن"، قال أبو بكر: قلت لعمر:"كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟"فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر"
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، محمد بن إسماعيل البخاري، 2/ 147، الطبعة السلطانية المطبعة الأميرية، مصر- القاهرة، 1311 هـ).
وفي رواية لمسلم:"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر"صحيح مسلم، 4/ 98.
(2) شرح صحيح البخارى لابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف ابن بطال، 1/ 205، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، (مكتبة الرشد: السعودية- الرياض، الطبعة الثانية، 1423 هـ - 2003 م) .
(3) قيل هي: إتيان المرأة المرضع، وقيل هي: إرضاع المرأة طفلها وهي حامل.
(4) صحيح مسلم، مرجع سابق، 4/ 161.
(5) شرح الزرقاني على الموطأ، محمد بن عبد الباقي الزرقاني، 3/ 92، (المطبعة الخيرية: مصر، 1310 هـ) .