فهرس الكتاب
بالأعراف والعادات المنضبطة والتي لا تخرج عن نطاق الشرع، ولهذا فإن هذه القاعدة منضوية تحت القاعدة الكبرى:"العادة محكمة"، قال علي حيدر خواجه:"إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة، لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة، وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفا؛ بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تُبْنَ على العرف والعادة فإنها لا تتغير. مثال ذلك: جزاء القاتل العمد القتل. فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان" [1] .
تقرر مما سبق، أن ثمت أحكامًا تتأثر بتغير الأزمان، يعني أن الظروف التاريخية تؤثر في الأعراف والعادات مما يؤدي إلى تغير الأحكام التي تتعلق بها؛ فالنوازل التي لها علاقة بالعادات يفتى فيها بمراعاة التطور التاريخي لهذه العادات، فيأتي الفقيه إلى نازلة كان يٌفتي فيها هو أو غيره بحكم، ويغير فتواه بناء على بروز متغيرات تاريخية أثرت على معطيات النازلة، ولأهمية هذه المسألة خصها ابن القيم رحمه الله بفصل في تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد [2] .
إن البيئة التاريخية للنازلة تكون حاسمة في الحكم عليها إذا كانت النازلة من باب العادات التي تتغير بتغير الزمان، ولذلك فعلى الفقيه أن يُلِمَّ بالظروف التاريخية للنازلة التي لها تعلق بالتاريخ، حتى لا يحكم بحكم صالح لزمان سابق والأمر بخلافه في الزمان الحاضر؛ ولهذا شواهد كثيرة من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل الخلفاء الراشدين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، راعَوْا فيها تغير التاريخ في الحكم على النوازل ومن ذلك:
1 -ما رواه البخاري بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها:"يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت"
(1) درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، علي حيدر خواجه، تعريب: فهمي الحسيني، 1/ 47، (دار الجيل: بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1991 م) .
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، 3/ 11، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، (دار الكتب العلمية - ييروت، الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1991 م) .