فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 52

وتأكل الشجر" [1] ، سبب ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخشى أن تطالَ الإبلَ أيدي الناس، لكن عثمان - رضي الله عنه - أمر بالتقاطها وبيعها مع حفظ ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت يُنتفع بالثمن في مصالح المسلمين؛ ودافع اجتهاده - رضي الله عنه - هو تغير الحال، الكامن في ضعف الوازع الديني، حيث أصبح بعض الناس يتجرؤون على ضالة الإبل، فرجا - رضي الله عنه - حفظها لأصحابها، وأما في زمن النبوة فكان الناس يتورعون عن الوقوع في مثل هذه المخالفة."

وهذا ما رواه مالك عن ابن شهاب أنه قال:"كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تناتج، لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان، أمر بتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها، أعطي ثمنها" [2] .

6 -كان الناس في زمن الوحي يدفعون الأشياء للصناع، وإذا ضاعت في أيديهم لا يطالبونهم بالضمان، لِما تعارفوا عليه من الأمانة وفُشُوِّ الصدق، وهو ما تقرر عند الفقهاء من أن الأمين عموما لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لكن في عهد الخلفاء الراشدين استولى الطمع على بعض النفوس، وظهر النزاع، فانتقل الاجتهاد إلى تضمين الصناع في حالة هلاك السلعة ولو من غير تعد أو تفريط، لأن قلة دين بعض الناس قد تجعله يتذرع وراء أصل الأمانة وعدم الضمان فيستخف بسلع الناس [3] ؛ وفي هذا الصدد ذكر الشاطبي رحمه الله أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال علي - رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم؛ لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة في التضمين

(1) صحيح البخاري، مرجع سابق، 3/ 124.

(2) أخرجه مالك في موطئه، 2/ 759، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، (مصطفى البابي الحلبي: مصر، سنة النشر: 1406 ه - 1985 م) .

(3) للاستزادة من المعلومات حول الموضوع يُرجع لكتاب: تعليل الأحكام، محمد مصطفى شلبي، ص 59، (أصل الكتاب رسالة علمية لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ في الفقه الإسلامي وعلومه بالأزهر ونال بها الباحث أول امتياز في كلية الشريعة، طبع بمطبعة الأزهر سنة 1947 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت