فهرس الكتاب
يظهر من كلامه أن الإمام مالك يقدم عمل الناس بإطلاقٍ على النص الشرعي، وهذا غير مقبول، لأن المقدم عند الإمام مالك وغيره من الأئمة، هو النص الشرعي، وإنما يقدمون عمل الناس أحيانا على بعض النصوص باستنادهم لنصوصٍ أخرى أقوى، أو لقواعد وأدلة شرعية، وإن كان مختلفا فيها: كالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وغير ذلك؛ فهم في حالة تقديمهم لعمل الناس على نص شرعي بعينه، إنما يفعلون ذلك استنادا إلى نصوصٍ وأدلةٍ أخرى، من باب مقارعة الأدلة أو الموازنة أو الجمع بينها؛ ومن ثَم، نقول أنهم في حقيقة الأمر قدموا نصًا على نصٍّ لمرجحٍ اجتهاديٍّ، وليس هذا من تقديم عمل الناس على النص؛ فالمقصود أن بيان أهمية الفتاوى في التاريخ لا يُسَوِّغ لنا جعل عمل الناس مقدمًا على النص الشرعي.
إن الإغراق في استعمال أحد المجالين في خدمة الآخر قد يجر إلى نتائجٍ معكوسةٍ، لأن المستدل قد لا يفهم الدليل الذي استدل به من الميدان الآخر على أحسن وجه، فيؤدي ذلك إلى خطأٍ في المقدمة يجر إلى خطأٍ على مستوى النتيجة؛ وعليه، فإن على الباحث في مجالٍ ما أن يحسن الانتقاء والتعامل مع الميادين الأخرى إن هو أراد الوصول لنتائج حسنة في المجال الذي يبحث فيه؛ فلا يَجْمُد على تخصصه فيُضيع عليه الخير الذي يمكن استجلابه من التخصصات الأخرى، وفي نفس الوقت لا يُفْرِط في استعمال تلك التخصصات حتى يُفْقِد تخصصَّه مميزاتِه وخصوصياتِه.