فهرس الكتاب
الأحكام بتغير الأزمان؛ ومن جهة أخرى، فإن ذلك النِّتاج النوازلي يعتبر منجمًا لاستخراج المعلومات والفوائد التاريخية.
ولا يخفى على الناظر في اجتهادات المالكية في العصر الوسيط، غناها بنماذج من هذين الحالين، ولو تتبعنا مثلًا المعيار المعرب وحده لخرجنا بمجلداتٍ، لكنْ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فسأسوق بعض النماذج من بعض كتب المالكية، أتوخى من خلالها بيان العلاقة بين ميداني التاريخ وفقه النوازل، وهي على سبيل المثال لا الحصر، ومن ذلك ما يلي:
1 -إذا نظرنا لإحدى أكبر وأشهر الموسوعات النوازلية في الفقه المالكي وهي المعيار المعرب للونشريسي، وأجرينا إحصاءاتٍ حول ما ورد فيها من كلمة"تاريخ"أو ما له علاقة بها فسنجد ما يقارب النتائج التالية:
• ذُكرت كلمة"تاريخ"ومشتقاتها حوالي ثلاثمائة مرة.
• ذُكرت كلمة"زمن"أكثر من ثلاثمائة مرة.
• ذكرت كلمة"وقت"أكثر من سبعمائة مرة مع ضرورة حذف ما له علاقة بنحو وقوت العبادات.
فتبين لنا مما سبق أن ما له علاقة بالتاريخ ونحوه مُهِمٌّ في هذه الموسوعة النوازلية، لأن ورود هذه الكلمات يَنُمّ عن الحاجة إليها من قريبٍ أو من بعيدٍ، فمثلا إذا استعمل السائل أو مَن أفتاه كلمة"تاريخ"، فيغلب على الظن أن تاريخ النازلة كان له أثر في الجواب عليها، كَأَن يأتي المستفتي بفتوى يذكر فيها أحداثًا تاريخيةً توضح الصورة للمفتي، الذي يجيبه بناء على توالي تلك الأحداث وتداولها؛ وسآتي فيما يلي نماذج تبين المقصود.
2 -وهذا مقتطف من جواب حول سؤال [1] ساقه الونشريسي رحمه الله في نوازله حين قال:"ألفيت لبعض المؤرخين المعتنين بتاريخ فاس أن الإمام إدريس شرع في تأسيس عدوة فاس الأندلس يوم الخميس مهل ربيع النبوي من عام اثنين وتسعين ومائة، فلما أكمل سورها بنى بها جامعًا للخطبة يعرف بجامع الأشياخ، وأنه شرع في تأسيس عدوة القرويين في مهل ربيع النبوي من العام بعده يليه، فلما"
(1) هذا مقتطف منه:"وفرض النازلة فيما ذكره بعض أهل التاريخ أن الأصل تأسيس هذه المدينة كانت ذات جانبين مدينة مستقلة بكل جانب، وبكل مدينة جامعها الأعظم، ونهر بينهما حاجز. وربما كانت فتن إذ ذاك لا تنقطع بينهما أحيانًا على ما ذكروه، ثم بعد تقرر الجامعين فيهما بزمان استولى عليهما أمير فهدم أسوارهما وجعلهما مدينة واحدة، ونصب على النهر قنطرة ليستمر أهل القريتين ويرتفق بعضهم ببعض. وأصل الموضع باق عليهما حتى الآن، فإحداهما تسمى بفاس القرويين، والأخرى بفاس الأندلس، والعتيق منهما على ما ذكروه جامع الأندلس. فهل رضي الله عنكم إذا اعتمدنا على ما ذكره أيمة هذا الفن نستصحب تلك الحالة التي كان الشرع لاحظها إذ ذاك. وكما انتفى الخلاف حينئذ عن ايقاعها بالمدينتين على ما ذكره القاضي ابن رشد رحمه الله تعالى ينتفي الآن عملًا بأصل التأسيس واستصحابه؟". المعيار المعرب والجامع المغرب، مرجع سابق، 1/ 237.