فهرس الكتاب
هذه الأمثلة وغيرها تبين أهمية النوازل حول المياه، وكثرة الأقضية التي تخصها في زمن القاضي عياض، فتلخص مما سبق أن كثرة النوازل حول قسمة المياه تَنُمّ عن علاقةٍ وطيدةٍ لقوم القاضي عياض بالزراعة، وعن قلة في مياه الري عندهم نتج عنها نزاعاتٌ حولها؛ هذه المعطيات قد يجدها المؤرخ مباشرة في كتب التاريخ، فإن لم يَتَسَنَّ له ذلك، فها هي كتب النوازل تسعفه ببُغْيَتِه.
وتأخذني هذه النازلة في رحلةٍ زمنيةٍ طويلةٍ في اتجاه ثمودَ قوم صالح - عليه السلام -، حيث قال تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} [1] ، قال القرطبي رحمه الله:" (ونبئهم) : أي أخبرهم (أن الماء قسمة بينهم) أي بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما قال تعالى: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) . قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء وتسقيهم لبنا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تُبْق لهم شيئا" [2] .
إن مشاكل الماء مستمرة عبر العصور، تُنْبِئُنا بها النصوص والفتاوى، ولا تزال مُستَتِبّة في البوادي إلى يومنا هذا.
إذن، هذه مجموعة من النماذج، تَوَخَّيْت من خلالها بيان العلاقة بين فقه النوازل والتاريخ، وقد أكون مخطئًا في التمثيل، لكني أرجو أن أكون مصيبًا في الجملة، وهذه النماذج غيضٌ من فيضٍ يقاس عليها غيرها مما لم أذكره لعدم سَعَة المحل.
(1) سورة القمر: الآية 28.
(2) تفسير القرطبي، محمد بن أحمد القرطبي، 17/ 140، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (دار الكتب المصرية: القاهرة-مصر، الطبعة الثانية، 1384 هـ - 1964 م) .