مقدمة:
شجع الإسلام على الإنفاق في سبيل الله ورغب فيه، وشرع عباداتٍ تسهم في جعل المال دولةً بين الناس كالزكاة والصدقة والكفارات ونحو ذلك؛ كما وسع أبواب الإنفاق لفتح باب الاجتهاد أمام باغي الخير ليقبل على ما ترتاح إليه نفسه ويطمئن إليه قلبه. وتعتبر كفالة تعليم القرآن الكريم من أهم مجالات الإنفاق، فهو كلام الله جل وعلا ومعجزة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تزال الأمة تعتني به منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا.
إن حفظ القرآن الكريم وتعليمه عبادةٌ تتطلب إخلاصًا لله تعالى ومتابعةً لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن حكمة الله جل وعلا أنه سهلها على عباده مصداقا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [1] ؛ فمن أراد تعلم القرآن الكريم لا يحتاج غالبًا لشروطٍ شخصيةٍ أو إمكاناتٍ ماديةٍ كبيرةٍ.
لكن الواقع في زماننا هو ضعف الهمم وكثرة الفتن، مما دفع بفاعلي الخير لإنشاء دورٍ وجمعياتٍ بل ومواقع إلكترونيةٍ، تسعى لتشجيع الناس على حفظ القرآن الكريم وتعلمه، وترشدهم إلى أنجع السبل والترتيبات التي تمكنهم من الاستمرار على ذلك. وتحتاج هذه المؤسسات إلى المال الذي تقوم به أجهزتها، وتنفق به على حاجاتها: كأدوات التدريس وبناياته، وأعطيات المدرسين والموظفين، وما إلى ذلك من اللوازم التي لا تنهض العملية التعليمية إلا بها؛ ويتم ذلك إما من طرف تمويلات الجهات الرسمية، أو من طرف المحسنين والمتطوعين. إلا أن المشكل يكمن في أن بعض أماكن التدريس تفتقر لمنابع التمويل، أو تتوفر عليها لكنها لا تكفي لتغطية مصاريف بيئةٍ تعليميةٍ سليمةٍ، مما يوقف مسيرتها أو يجعلها تستمر على شفا جرفٍ هارٍ، فينعكس ذلك على مرتاديها ويعود عليهم بالإحباط، وقد يفتح باب التخلي والإعراض.
ولأجل ذلك، تستلزم هذه العينات المتعثرة، مخططاتٍ ومشاريع تتكفل بها وتغطي حاجاتها، مما دفعني لاقتراح هذا البحث، لعله يقدم نماذج من الحلول العملية، ومن ذلك انخراط المصارف الإسلامية في هذا الخير [2] . حيث يمكن استثمارها في إيداع
(1) سورة القمر، الآيات: 17، 22، 32، 40.
(2) هذه المؤسسات التي قامت في بدايتها على مبدأ المشاركة والإرفاق، لكنها ما فتئت تتحول لأساليب المداينات، والتي وإن كان الأصل فيها الحِلّ لكنها تبعُد عن الشعار الأعظم لهذه المصارف. وأنا هنا بصدد الكلام عن المصارف المأمونة لا عن تلك التي تتاجر باسم الدين. للمزيد، راجع بحثي: امتطاء التدين في التجارة و التسويق، الذي قُبل في المؤتمر العالمي الخامس للتسويق الإسلامي والذي عقد بمشيئة الله في مدينة كوالالمبور، بتاريخ 22 - 24 أبريل 2014.