المطلب الثاني: تقنين الفقه أم فقه التقنين؟
كيفما كان القانون، ومهما يكن مجال تخصصه، فإنه يجد في الفقه الإسلامي ملاذًا؛ لأن الفقهاء في مجموعهم لا يجانبون الصواب، وإذا انتفى عند أحدهم حصَّله الآخر، وهذه الأمة لا تجتمع على ضلالة؛ ولما عنون مصطفى الزرقا الباب الرابع من كتابه المدخل الفقهي العام باستمداد التقنين المعاصر من الفقه، قال فيه:"وما يضيق عنه المذهب الواحد ونظرياته، ففي مذهب آخر سعةٌ منه وعلاجٌ، ويرى بعض المفكرين من علماء العصر أن مجموعة المذاهب الاجتهادية يجب أن تعتبر كمذهبٍ واحدٍ كبيرٍ في الشريعة ... فيرجح علماء الشريعة ويختارون منه للتقنين في ميدان القضاء والفتيا ما هو أوفى بالحاجة الزمنية ومقتضيات المصلحة في كل عصرٍ، كمن في بلده صيدلياتٌ كثيرةٌ متفاوتةٌ وكلها مستوفيةٌ للشرائط، فإذا لم يجد علاجه المطلوب في إحداها وجده في أخرى" [1] .
ومكمن هذا النجاح والتوفيق اللَّذَيْن يتمتع بهما الفقه الإسلامي، هو المراجع التي ينهل منها، والمتمثلة أساسًا في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ ولا يخفى على متأملٍ أنهما حويا من النصوص ما يستوعب المستجدات والحوادث والنوازل، ويمكن من استشراف المستقبل. والحال هذه، فإنه لا يسوغ ترك الاستفادة من هذا الموروث الشرعي، والانتقال إلى الفقه الأجنبي واستنساخ القوانين الوضعية الغريبة، كما قال ابن القيم:"هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، جعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم؛ فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما"
(1) بتصرف: المدخل الفقهي العام، للزرقا، ص 259 - 269.