أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌ طويلٌ، وكلا الطائفتين أُتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله" [1] ."
وإن المرجعية الفقهية للقوانين تورثها هيبةً في نفوس المواطنين، وتكون أدعى إلى الإذعان طوعًا، وأبعد من الفرار والتحايل في المخالفة،"لكن فريقا من الناشئة الإسلامية يرون عدم إمكان تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر، بحجة الشريعة لا تتسع لحل المستجدات في نظرهم" [2] ، وهذا سوء تقديرٍ للأمور، وفهمٌ خطأٌ، بدليل ما سبق بيانه من سعة الفقه الإسلامي؛ بالأخص إذا ما علمنا أن بعض فقهاء القانون الغربي يحترمون الفقه الإسلامي أو يقتبسون منه [3] ، وفي هذا الصدد يقول محمد شلبي:"ولقد أدرك رجال القانون الغربيون -من زمنٍ بعيدٍ- ما في هذا الفقه من مميزاتٍ، وما فيه من حلولٍ لمشاكل الحياة، فأخذوا منه الشيء الكثير، ثم اعترفوا به كمصدرٍ من مصادر القانون، فالكثير من قوانينهم شرقيٌّ إسلامي الأصل، ولكنهم صاغوه وصبغوه بصبغةٍ غربيةٍ ثم صدروه إلينا على أنه غربي المولد والنشأة" [4] .
إن القانون الوضعي هو قانونٌ وضع من طرف البشر، وأما الشريعة الإسلامية فمصدرها من عند الله جل وعلا، وهي التي كانت سائدةً تحكم الناس، وتطبق عليهم لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، إلى أن سادت قوانين وضعيةٌ مستمدةٌ من الدول الغربية بسبب الاستعمار ونحوه، فصارت القوانين الوضعية تطبّق في بيئةٍ يتحدد تراثها القانوني بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما أدى بالدول العربية إلى عدم الرغبة في قطع كل أواصر الماضي، واستمرار الأخذ بمبادئ الشريعة الإسلامية، وإن لم يعد هناك مجالٌ لتطبيق
(1) باختصار: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 4/ 283 - 284.
(2) المدخل الفقهي العام، للزرقا، ص 281.
(3) نظرًا لما فيه من مرونةٍ، كما فعلت لجنة المحامين الدولية، وقام في مصر فريقٌ من كبار القانونيين وفقهاء الشريعة منذ وضع القانون المدني المصري في الأربعينات وهو قانون أجنبي الأصول، فدعوا إلى استمداده من الشريعة، وفعلوا ذلك وبرهنوا على إمكان إنشاء أحدث القوانين العصرية من الفقه الإسلامي. المدخل الفقهي العام، للزرقا، ص 281 وص 308.
(4) باختصار وتصرف: المدخل في الفقه الإسلامي، لمحمد شلبي، ص 9 - 10، وص 318.