الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب. بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات. ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملِّي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه. والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين.
فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وسار علي بن أبي طالب إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل، ثم يوم صِفِّين ما هو مشهور، خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهم وذكر حكمهم، قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد، وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر.
ومن أصح حديثهم حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض، أحب إلى من أن أكذب عليه، وإن حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خِدْعَة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان /أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذُهَيْبَة في آدَمٍ مقروض، لم تُحَصَّلْ من ترابها فقال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً) قال: فقام رجل غَائِر العينين، مُشْرِف الوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزَ الجبهة، كَثَّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، فقال: (ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!) . قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: (لا، لعله أن يكون يصلي) قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لم أومر أن أنقِّب عن قلوب الناس؛ ولا أشق بطونهم) ،قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة) قال: أظنه قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) . اللفظ لمسلم.
/ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق، ثم قال: (شر الخلق ـ أو من شر الخلق ـ يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) . قال أبو سعيد: أنتم قتلتموهم يا أهل العراق، وفي لفظ له: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق) ، وهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين) ، فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة، وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن، كان أحب إلى الله ـ سبحانه ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأمورًا به، فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وإن قتال الخوارج مما أمر به صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة.