وهؤلاء الخوارج لهم أسماء، يقال لهم: الحَرُورِيَّة لأنهم خرجوا بمكان يقال له: حَرُوراء، ويقال لهم: أهل النَّهْرَوَان؛ لأن عليًا قاتلهم هناك. ومن أصنافهم: الأبَاضِيَّة أتباع عبد الله بن أباض، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنَّجَدَات أصحاب نَجْدَة الحروري.
وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك، فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم: / (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان) ، وكفروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ومن والاهما، وقتلوا علي ابن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن مِلْجَم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة، فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر، مخلد في النار، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: إن عثمان وعليًا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارًا.
ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة؛ فإن الله ـ سبحانه ـ أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًا لوجب قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بَدَّل دينه فاقتلوه) . وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفْرٌ بعد إسلام، وزِنًا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها) وأمر ـ سبحانه ـ بأن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر ـ سبحانه ـ بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافرًا لأمر بقتله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلد شارب الخمر ولم يقتله، بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره، أن رجلًا كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله حمارًا، وكان يُضْحِك النبي صلى الله عليه وسلم وكان كلما أتى به إليه جلده، فأتى به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: / (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) ، فنهى عن لعنه بعينه وشهد له بحب الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا.
وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة والرابعة منسوخ؛ لأن هذا أتى به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقدرًا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة، كغيرها من أنواع التعزير، وكذلك صفة الضرب، فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب.
وأيضًا فإن الله ـ سبحانه ـ قال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9، 10] فقد وصفهم بالإيمان والأخوة، وأمرنا بالإصلاح بينهم.
فلما شاع في الأمة أمر الخوارج، تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن/ النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة، فجاءت بعدهم المعتزلة ـ الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري وهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال، وأتباعهما ـ فقالوا: أهل الكبائر مخلدون في النار، كما قالت الخوارج، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارًا، بل فساق، ننزلهم منزلة بين منزلتين، وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وأن يخرج من النار بعد أن يدخلها. قالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر، وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارًا.