أحدهما: لا يجب عليه القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي، بل النزاع بين العلماء في كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الحجة: مثل ترك الصلاة عند عدم الماء يحسب أن الصلاة لا تصح بتيمم، أو من أكل حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويحسب أن ذلك هو المراد بالآية، كما جرى ذلك /لبعض الصحابة، أو مس ذكره، أو أكل لحم الإبل ولم يتوضأ، ثم تبين له وجوب ذلك، وأمثال هذه المسائل هل يجب عليه القضاء؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وأصل ذلك هل يثبت حكم الخطاب في حق المكلف قبل التمكن من سماعه؟ على [ثلاثة أقوال] في مذهب أحمد وغيره:
قيل: يثبت مطلقًا، وقيل: لا يثبت مطلقًا، وقيل: يفرق بين الخطاب الناسخ، والخطاب المبتدأ، كأهل القبلة. والصحيح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية: أن الخطاب لا يثبت في حق أحد قبل التمكن من سماعه، فإن القضاء لا يجب عليه في الصور المذكورة ونظائرها مع اتفاقهم على انتفاء الإثم؛ لأن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، فإذا كان هذا في التأثيم فكيف في التكفير.
وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا /صومًا ولا حجًا إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقول: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا، فقال: ولا صوم ينجيهم من النار) .
وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل ـ لم يعجل حسنة قط ـ لأهله إذا مات فحرقوه، ثم أذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبنه أحدًا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يارب، وأنت أعلم؛ فغفر الله له) ، وفي لفظ آخر: (أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في البحر. فوالله لئن قدر على ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. قال: ففعلوا ذلك به. فقال للأرض: أدّ ما أخذت، فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت. قال: خشيتك يارب. أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك) ، وفي طريق آخر: (قال الله لكل شيء أخذ منه شيئًا: أد ما أخذت منه) .
وقد أخرج البخاري هذه القصة من حديث حذيفة وعقبة بن عمرو أيضًا عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان /رجل فيمن كان قبلكم كان يساء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذروني في البحر في يوم صائف ففعلوا، فجمعه الله. ثم قال: ما حملك على الذي فعلت؟ فقال: ما حملني إلا مخافتك، فغفر له) .
وفي طريق آخر: (إن رجلا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، وأوقدوا فيه نارًا حتى إذا أكلت لحمي، ووصلت إلى عظمي، فامتحشت، فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يومًا فذروني في اليم. فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك. فغفر الله له) قال عقبة بن عمرو: أنا سمعته ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ يقول ذلك: (وكان نباشًا) .