الصفحة 160 من 484

فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر. لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا. فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع ألا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر ـ إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ـ هو بين في عدم إيمانه /بالله تعالى ومن تأول قوله: لئن قدر الله على بمعنى قضى، أو بمعنى ضيق، فقد أبعد النجعة، وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد. وقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا.

فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها، وإنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، فلو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له، ولأن التقدير عليه والتضييق موافقان للتعذيب، وهو قد جعل تفريقه مغايرًا، لأن يقدر الرب. قال: فوالله، لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين، فلا يكون الشرط هو الجزاء، ولأنه لو كان مراده ذلك لقال: فوالله لئن جازاني ربي أو لئن عاقبني ربي ليعذبني عذابًا، كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك، ولأن لفظ: [قدر] بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة.

ومن استشهد علي ذلك بقوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11] ، وقوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] قد استشهد بما لا يشهد له. فإن اللفظ كان بقوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} ، أي أجعل ذلك بقدر، ولا تزد ولا تنقص. وقوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} ، أي جعل رزقه قدر ما يغنيه /من غير فضل، إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش.

وأما [قدر] بمعنى قَدَّرَ أي أراد تقدير الخير والشر، فهو لم يقل: إن قدر علي ربي العذاب، بل قال: لئن قدر علي ربي، والتقدير يتناول النوعين، فلا يصح أن يقال: لئن قضى الله علي؛ لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره، ولأنه لو كان المراد التقدير أو التضييق لم يكن ما فعله مانعًا من ذلك في ظنه، ودلائل فساد هذا التحريف كثيرة ليس هذا موضع بسطها، فغاية ما في هذا أنه كان رجلا لم يكن عالمًا بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر، وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك، فلا يكون كافرًا.

ومن تتبع الأحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا الجنس ما يوافقه كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعها عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، واضطجع فلم يثبت إلا ريثما ظن أني رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتقل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج، ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه /ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول وهرولت وأحضر وأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فقال:(ما لك يا عائشة حَشْيَاءَ رابية؟) قالت: لاشيء. قال: (لتخبريني، أو ليخبرني اللطيف الخبير) . قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته. قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟) قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني. ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!) قالت: قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال: (نعم) . قال: (فإن جبريل ـ عليه السلام ـ أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك فأجبته وأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننتُ أنك رقدت، وكرهت أن أوقظك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت