الصفحة 161 من 484

وخشيت أن تستوحشي ـ فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي: (السلام على أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) .

فهذه عائشة أم المؤمنين، سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك /بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، و لهذا لهزها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟!) وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع.

فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها، ودلائل فساد هذا القول كثيرة في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها ومشائخها، لا يحتاج إلى بسطها، بل قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأمر والنهي ثابت في حق العباد إلى الموت.

وأما قول القائل: هل يصدر ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي صلى الله عليه وسلم؟.

فيقال: هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات مطلقًا، بل قائل ذلك كافر بجميع الأنبياء والمرسلين؛ لأنهم جميعًا أتوا بالأمر والنهي للعباد إلى حين الموت بل لايصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله وإقرار بأنه إله العالم، فإن هذا الإقرار يستلزم أن يكون الإنسان عبدًا لله خاضعًا له، ومن سوغ لإنسان أن يفعل ما يشاء من غير تعبد بعبادة الله، فقد أنكر أن يكون الله إلهه.

/وأما قولهم: إنهم قد تجوهروا، فقالوا: لا نبالي الآن ماعملنا؟

فيقال لهم: ماذا تعنون بقولكم؟ فإن أرادوا أن النفس بقيت صافية طاهرة، لا تنازع إلى الشهوات والأهواء المردية، فهذا لو كان حقًا لكان معناه: أن النفس قد صارت مطيعة ليس فيها دواعي المعصية فتكون منقادة إلى فعل المأمور، ولا تميل إلى المحظور، وهذا غايته أن تكون معصومة لا تطلب فعل القبيح، وهذا ما يخرجها أن تكون مأمورة منهية كالملائكة.

وإذا قال مثل هؤلاء: لا ينافى ما عملنا، قيل لهم: الذي تعملونه إن كان من جنس الأهواء المردية فقد تناقضتم في زعمكم أن نفوسكم لم يبق لها هوى، وإن كان من جنس الأعمال الصالحة فهذا جنس لا ينكر، فعلم أنهم متناقضون في هذا الكلام إذا أرادوا بتجوهر النفس صفاءها وطهارتها عن الأكدار البشرية، مع أن هذا الكمال ممتنع في حق البشر ما دامت الأرواح في الأجسام، ولهذا أنكر المشائخ ذلك على من ادعاه، كالآثار المعروفة في ذلك عن الشيخ أبي علي الروذباري [أبو علي الروذباري هو: أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور، وقيل: اسمه حسن بن هارون شيخ الصوفية، سكن مصر، وصحب الجنيد، وأبا الحسين النووي حدَّث عن مسعود الرملي وغيره وقال: أستاذي في الفقه ابن سريج، وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي. قال أبو علي الكاتب: ما رأيت أحدًا أجمع لعلم الشريعة والحقيقة من أبي علي. توفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 41/ 535، 536] ، وغيرهم وأعظم الناس درجة الأنبياء عليهم السلام، وقد أمرهم الله بالتوبة والاستغفار، حتى خاتم الرسل أمره الله في أواخر ما أنزل عليه من القرآن ما أمره به بقوله: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [سورة النصر] .

/ولهذا كان الذي عليه سلف الأمة وأئمتها أن الأنبياء إنما هم معصومون من الإقرار على الذنوب، وإن الله يستدركهم بالتوبة التي يحبها الله ـ {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222] ـ وإن كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت