الصفحة 163 من 484

حتى يحصل لك حال، فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض، وارتكاب المحارم، وهذا كفر، كما تقدم.

ومنهم من يظن استغناءه عن النوافل حينئذ، وهذا مغبون منقوص جاهل ضال خاسر باعتقاد الاستغناء عن النوافل واستخفافه بها حينئذ، /بخلاف من تركها معتقدًا كمال من فعلها حينئذ معظمًا لحاله، فإن هذا ليس مذمومًا، وإن كان الفاعل لها مع ذلك أفضل منه، أو يكون هذا من المقربين السابقين، وهذا من المقتصدين، أصحاب اليمين.

ومن هؤلاء من يظن أن الاستمساك بالشريعة ـ أمرًا ونهيًا ـ إنما يجب عليه ما لم يحصل له من المعرفة أو الحال، فإذا حصل له لم يجب عليه حينئذ الاستمساك بالشريعة النبوية، بل له حينئذ أن يمشي مع الحقيقة الكونية القدرية، أو يفعل بمقتضى ذوقه ووجده وكشفه ورأيه من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وهؤلاء منهم من يعاقب بسلب حاله حتى يصير منقوصًا عاجزًا محرومًا، ومنهم من يعاقب بسلب الطاعة حتى يصير فاسقًا، ومنهم من يعاقب بسلب الإيمان حتى يصير مرتدًا منافقًا، أو كافرًا ملعنًا. وهؤلاء كثيرون جدًا، وكثير من هؤلاء يحتج بقصة موسى والخضر.

فأما استدلالهم بقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ، فهي عليهم لا لهم، قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين أجلا دون الموت، وقرأ قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} ، وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين وهؤلاء من المستيقنين. وذلك مثل قوله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} إلى قوله: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَع الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين} ُ [المدثر: 42: 47] . فهذا قالوه وهم في جهنم. وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة، والخوض مع الخائضين حتى أتاهم اليقين. ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا، ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] ، وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون، وهو اليقين. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ـ لما توفى عثمان بن مظعون ـ وشهدت له بعض النسوة بالجنة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك؟ إني والله وأنا رسول الله ما أدري ما يفعل بي) وقال: (أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه) أي أتاه وعده وهو اليقين.

و [يقين] على وزن فعيل، وسواء كان فعيل بمعنى مفعول، أي الموت. كالحبيب والنصيح والذبيح، أو كان مصدرًا وضع موضع المفعول. كقوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان: 11] ، وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ} [النحل: 1] وقوله: ضرب الأمير، وغفر الله لك. قيل: وقولهم قدرة عظيمة. وأمثال ذلك، فإنه كثير. فعلى التقديرين المعنى لا يختلف، بل اليقين هو ما وعد به العباد من أمر الآخرة، وقوله: {حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] كقولك: يأتيك ما توعد.

فإما أن يظن أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان، ثم لا عبادة /عليك. فهذا كفر باتفاق أئمة المسلمين، ولهذا لما ذكر للجنيد بن محمد أن قومًا يزعمون أنهم يصلون من طريق البر إلى ترك العبادات. فقال: الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء، ومازال أئمة الدين ومشائخه يعظمون النكير على هؤلاء المنافقين، وإن كانوا من الزهاد العابدين وأهل الكشف والتصرف في الكون وأرباب الكلام والنظر في العلوم، فإن هذه الأمور قد يكون بعضها في أهل الكفر والنفاق ومن المشركين وأهل الكتاب. وإنما الفاصل بين أهل الجنة وأهل النار، الإيمان والتقوى. الذي هو نعت أولياء الله. كما قال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت