الصفحة 164 من 484

وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 62، 63] وأما احتجاجهم بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين:

أحدهما: أن يقولوا: إن الخضر كان مشاهدا الإرادة الربانية الشاملة، والمشيئة الإلهية العامة، وهي [الحقيقة الكونية] . فلذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، وهو من عظيم الجهل والضلال، بل من عظيم النفاق والكفر، فإن مضمون هذا الكلام: أن من آمن بالقدر وشهد أن الله رب كل شيء، لم يكن عليه أمر ولا نهي، وهذا كفر بجميع كتب الله و رسله، وما جاؤوا به من الأمر والنهي، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} ، قال الله /تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] ، ونظير هذا في سورة النحل، وفي سورة يس: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يس: 47] وكذلك في سورة الزخرف: {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] .

وهؤلاء هم: [القدرية المشركية] الذين يحتجون بالقدر على دفع الأمر والنهي هم شر من القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة، الذين روى فيهم: (إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ؛ لأن هؤلاء يقرون بالأمر والنهي والثواب والعقاب، لكن أنكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق، وربما أنكروا سابق العلم.

وأما [القدرية المشركية] فإنهم ينكرون الأمر والنهي والثواب والعقاب، لكن وإن لم ينكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق، فإنهم ينكرون الأمر والنهي والوعد والوعيد، ويكفرون بجميع الرسل والكتب، فإن الله إنما أرسل الرسل مبشرين، من أطاعهم بالثواب. ومنذرين من عصاهم بالعقاب. وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع غير هذا.

/وأيضًا، فإن موسى عليه السلام كان مؤمنًا بالقدر، وعالمًا به، بل أتباعه من بني إسرائيل كانوا أيضًا مؤمنين بالقدر. فهل يظن من له أدنى عقل أن موسى طلب أن يتعلم من الخضر الإيمان بالقدر، وإن ذلك يدفع الملام، مع أن موسى أعلم بالقدر من الخضر، بل عموم أصحاب موسى يعلمون ذلك.

وأيضًا، فلو كان هذا هو السر في قصة الخضر بين ذلك لموسى. وقال: إني كنت شاهدًا للإرادة والقدر، وليس الأمر كذلك، بل بين له أسبابًا شرعية تبيح له ما فعل. كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

وأما [الوجه الثاني] : فإن من هؤلاء من يظن: إن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغنى به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو بعضها، وكثير منهم يفضل الولي في زعمه، إما مطلقًا، وإما من بعض الوجوه على النبي، زاعمين أن في قصة الخضر حجة لهم، وكل هذه المقالات من أعظم الجهالات والضلالات بل من أعظم أنواع النفاق والإلحاد والكفر.

فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن رسالة محمد بن عبد/الله صلى الله عليه وسلم لجميع الناس: عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم، وإنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة الثقلين الجن والإنس، وإنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت