يشرعه لأمته من الدين. وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته.
وقال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] ، قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه.
وفي سنن النسائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون [التهوك: كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية. النهاية 5/ 282] يا بن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) ـ هذا أو نحوه ـ ورواه أحمد في المسند ولفظه: (ولو كان موسي حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) . وفي مراسيل أبي داود قال: (كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا كتابًا غير كتابكم. أنزل على /نبي غير نبيهم) وأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51] .
بل قد ثبت بالأحاديث الصحيحة: (أن المسيح عيسى ابن مريم إذا نزل من السماء فإنه يكون متبعًا لشريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم) فإذا كان صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الأنبياء. فكيف بمن دونهم؟
بل مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره، كموسى وعيسى. فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول، فكيف بالخروج عنه والرسل؟ كما قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 136، 137] . وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .
/ولهذا لما كان قد دخل فيما ينقله أهل الكتاب عن الأنبياء تحريف وتبديل، كان ما علمنا أنه صدق عنهم آمنا به، وما علمنا أنه كذب رددناه، وما لم نعلم حاله لم نصدقه ولم نكذبه، كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم. فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوهم، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم. وقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) .
ومما يبين الغلط الذي وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة: أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثًا إلى الخضر ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في الصحيحين: أن الخضر قال له: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله، علمكه الله لا أعلمه. وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة.
وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ـ فيما فضله الله به على الأنبياء ـ قال: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته /مستغنيًا عنه بما علمه الله. وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، ومن سوغ هذا أو اعتقد أن أحدًا