من الخلق ـ الزهاد والعباد أو غيرهم ـ له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين. ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا.
وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة؛ ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ. ولو كان ما فعله لالخضر مخالفًا لشريعة موسى لما وافقه.
ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة، والآخر لا يعلم ذلك السبب، وإن كان قد يكون أفضل من الأول. مثل شخصين: دخلا إلى بيت شخص، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله، إما بإذن لفظي أو غيره، فيتصرف. وذلك مباح في الشريعة، والآخر الذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف، وخرق السفينة كان من هذا الباب، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة، إذا علموا ذلك؛ لئلا يأخذها. . . خير من انتزاعها منهم.
/ونظير هذا حديث الشاة التي أصابها الموت فذبحتها امرأة بدون إذن أهلها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأذن لهم في أكلها ولم يلزم التي ذبحت بضمان ما نقصت بالذبح؛ لأنه كان مأذونًا فيه عرفًا، والأذن العرفي كالإذن اللفظي؛ ولهذا بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان في غيبته بدون استئذانه لفظًا، ولهذا لما دعاه أبو طلحة ونفرًا قليلًا إلى بيته، قام بجميع أهل المسجد، لما علم من طيب نفس أبي طلحة، وذلك لما يجعله الله من البركة. وكذلك حديث جابر.
وقد ثبت أن لحامًا دعاه فاستأذنه في شخص يستتبعه؛ لأنه لم يكن يعلم من طيب نفس اللحام ما علمه من طيب نفس أبي طلحة وجابر وغيرهما، وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه، لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما؛ وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال لهذا ثبت في صحيح البخاري أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان قال: إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم.
وكذلك في الصحيحين: أن عمر لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل ابن صياد، وكان مراهقًا، لما ظنه الدجال، فقال: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) فلم يقل: إن يكنه فلا خير لك في قتله، بل قال: (فلن تسلط عليه) .
/وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ذلك محذورًا، وإلا كان التعليل بالصغر كافيًا، فإن الأعم إذا كان مستقلًا بالحكم كان الأخص عديم التأثير، كما قال في الهرة: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) .
وأما بناء الجدار فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم، وقد بين الخضر: أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع، وإن كان جائعًا.
ومن ذلك أن من أسباب الوجوب والتحريم والإباحة ما قد يكون ظاهرًا، فيشترك فيها الناس، ومنه ما يكون خفيًا عن بعضهم ظاهرًا لبعضهم على الوجه المعتاد، ومنه ما يكون خفيًا يعرف بطريق الكشف، وقصة الخضر من هذا الباب. وذلك يقع كثيرًا في أمتنا. مثل أن يقدم لبعضهم طعام فيكشف له أنه مغصوب فيحرم عليه أكله، وإن لم يحرم ذلك على من لم يعلم ذلك. أو يظفر بمال يعلم أن صاحبه أذن له فيه فيحل له أكله، فإنه لا يحل ذلك لمن لم يعلم الإذن. وأمثال ذلك.
فمثل هذا إذا كان الشيخ من المعروفين بالصدق والإخلاص كان مثل هذا من مواقع الاجتهاد، الذي يصيب فيه تارة ويخطئ أخرى، /فإن المكاشفات يقع فيها من الصواب والخطأ نظير ما يقع في الرؤيا وتأويلها، والرأي، والرواية، وليس شيء معصومًا على الإطلاق إلا ما ثبت عن