الصفحة 167 من 484

الرسول، ولهذا يجب رد جميع الأمور إلى ما بعث به ولهذا كان الصديق المتلقى عن الرسول كل شيء، مثل أبي بكر أفضل من المحدث مثل عمر، وكان الصديق يبين للمحدث المواضع التي اشتبهت عليه، حتى يرده إلى الصواب، كما فعل أبو بكر بعمر يوم الحديبية، ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قتال مانعى الزكاة، وغير ذلك. وهذا الباب قد بسطناه في غير هذا الموضع.

والمقصود أنه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلق. نعم لفظ [الشرع] قد صار فيه اشتراك في عرف العامة، منهم من يجعله عبارة عن حكم الحكام، ولا ريب أن حكم الحاكم قد يطابق الحق في الباطن، وقد يخالفه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أم سلمة: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) .

وقد اتفق المسلمون على أن حكم الحاكم بالحقوق المرسلة لا يغير الشيء عن صفته في الباطن، فلو حكم بمال زيد لعمر، لإقرار أو بينة /كان ذلك باطلًا في الباطن، ولم يبح ذلك له في الباطن، ولا يجوز له أخذه مع العلم بالحال باتفاق المسلمين، وكذلك عند جماهير الأمة لو حكم بعقد أو فسخ نكاح أو طلاق وبيع فإن حكمه لا يغير الباطن عندهم.

وإن كان منهم من يقول: حكمه يغير ذلك في هذا الموضع؛ لأن له ولاية العقود والفسوخ. فالصحيح قول الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وسائر فقهاء أهل الحجاز والحديث، وكثير من فقهاء العراق.

وأيضًا فلفظ [الشرع] في هذا الزمان، يطلق على ثلاثة معان:

شرع منزل، وشرع متأول، وشرع مبدل.

[فالمنزل] : الكتاب والسنة، فهذا الذي يجب اتباعه على كل واحد، ومن اعتقد أنه لا يجب اتباعه على بعض الناس فهو كافر.

و [المتأول] موارد الاجتهاد التي تنازع فيها العلماء، فاتباع أحد المجتهدين جائز لمن اعتقد أن حجته هي القوية، أو لمن ساغ له تقليده ولا يجب على عموم المسلمين اتباع أحد بعينه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكثير من المتفقهة إذا رأى بعض الناس من المشائخ الصالحين، يرى أنه يكون الصواب مع ذلك، وغيره قد خالف /الشرع، وإنما خالف ما يظنه هو الشرع، وقد يكون ظنه خطأ فيثاب على اجتهاده، وخطؤه مغفور له وقد يكون الآخر مجتهدا مخطئًا.

وأما [الشرع المبدل] : فمثل الأحاديث الموضوعة، والتأويلات الفاسدة والأقيسة الباطلة والتقليد المحرم، فهذا يحرم أيضًا، وهذا من مثار النزاع، فإن كثيرًا من المتفقهة والمتكلمة قد يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع مذهبه المعين، وتقليد متبوعه، والتزام حكم حاكمه باطنًا وظاهرًا، ويرى خروجه عن ذلك خروجًا عن الشريعة المحمدية، وهذا جهل منه وظلم، بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق.

كما أن كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه، وهو في هذا نظير ذلك. وكل من هؤلاء قد يسوغ الخروج عما جاء به الكتاب والسنة، لما يظنه معارضًا لهما، إما لما يسميه هذا ذوقًا ووجدًا، ومكاشفات ومخاطبات، وإما لما يسميه هذا قياسًا ورأيًا وعقليات وقواطع، وكل ذلك من شعب النفاق، بل يجب على كل أحد تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما أخبر به، وطاعته في جميع ما أمر به، وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال، ولا بآراء الرجال، وكل ما عارضه فهو خطأ وضلال.

/وقد ذكرنا من تفصيل ذلك في غيرهذا الموضع ما لا يتسع له هذا المجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت