أولي الطائفتين بالحق على بن أبي طالب، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تَمْرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولي الطائفتين بالحق) .
ولهذا لما ناظرهم من ناظرهم؛ كابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، بينوا لهم بطلان قولهم بالكتاب والميزان، كما بين لهم ابن عباس، حيث أنكروا على على بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل، ونهيه عن اتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم وغنيمة أموالهم وذراريهم، وكانت حجة الخوارج أنه ليس في كتاب الله إلا مؤمن أو كافر، فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم، وإن كانوا كفارًا أبيحت دماؤهم وأموالهم وذراريهم، فأجابهم ابن عباس بأن القرآن يدل على أن عائشة أم المؤمنين، وبين أن أمهات المؤمنين حرام، فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله، ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله.
وموضع غلطهم ظنهم أن من كان مؤمنًا لم يبح قتاله بحال، وهذا مما ضل به من ضل من الشيعة، حيث ظنوا أن من قاتل على كافر؛/ فإن هذا خلاف القرآن، قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الحجرات: 9، 10] ، فأخبر ـ سبحانه ـ أنهم مؤمنون مقتتلون، وأمر إن بغت إحداهما على الأخرى أن تقاتل التي تبغي، فإنه لم يكن أمر بقتال أحدهما ابتداء، ثم أمر إذا فاءت إحداهما بالإصلاح بينهما بالعدل، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ، فدل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به.
وكذلك عمر بن عبد العزيز لما ناظرهم وأقروا بوجوب الرجوع إلى ما نقله الصحابة عن الرسول من فرائض الصلاة، بين لهم عمر أنه كذلك يجب الرجوع إلى ما نقلوه عنه صلى الله عليه وسلم من فريضة الرجم ونصاب الزكاة، وأن الفرق بينهما فرق بين المتماثلين، فرجعوا إلى ذلك.
وكذلك ابن عباس ناظرهم لما أنكروا تحكيم الرجال بأن الله قال في الزوجين: إذا خيف شقاق بينهما أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، وقال: {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] ، وأمر ـ أيضًا ـ أن يحكم في الصيد بجزاء مثل ما قتل من النَّعَم يحكم به ذوا عدل منكم، فمن أنكر التحكيم مطلقًا فقد خالف كتاب الله ـ تعالى ـ وذكر ابن عباس أن / التحكيم في أمر أميرين لأجل دماء الأمة أولي من التحكيم في أمر الزوجين، والتحكيم لأجل دم الصيد. وهذا استدلال من ابن عباس بالاعتبار وقياس الأولي، وهو من الميزان، فاستدل عليهم بالكتاب والميزان، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} [النساء: 59] .
أمر ـ سبحانه ـ بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منا، وأمر ـ إن تنازعنا في شيء ـ أن نرده إلى الله والرسول، فدل هذا على أن كل ما تنازع المؤمنون فيه من شيء فعليهم أن يردوه إلى الله والرسول، والمعلق بالشرط يعدم عند عدم الشرط، فدل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتًا؛ وكذلك إنما يكون لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدي وطاعة الله ورسوله فلا يحتاجوا حينئذ أن يأمروا بما هم فاعلون من طاعة الله والرسول.
ودل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا، فإنهم لا يجتمعون على ضلالة، ولو كانوا قد يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولي بوجوب الرد إلى الله والرسول منهم إذا تنازعوا، فقد يكون أحد الفريقين مطيعًا الله والرسول. فإذا كانوا مأمورين في هذا الحال بالرد إلى الله والرسول