ليرجع إلى ذلك فريق منهم ـ خرج عن ذلك ـ فلأن يؤمروا بذلك /إذا قدر خروجهم كلهم عنه بطريق الأولي والأحري ـ أيضًا ـ فقد قال لهم: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ علاكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم} [آل عمران: 103] .
فلما نهاهم عن التفرق مطلقًا دل ذلك على أنهم لا يجتمعون على باطل؛ إذ لو اجتمعوا على باطل لوجب اتباع الحق المتضمن لتفرقهم، وبين أنه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، كما قال: {و هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
[الأنفال: 62، 63] ، فإذا كانت قلوبهم متألفة غير مختلفة على أمر من الأمور كان ذلك من تمام نعمة الله عليهم، ومما مَنَّ به عليهم، فلم يكن ذلك اجتماعًا على باطل؛ لأن الله ـ تعالى ـ أعلم بجميع الأمور. انتهى والحمد الله رب العالمين.
فَصْل
قد ذم اللّه ـ تعالى ـ في القرآن من عَدَل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه اللّه ورسوله، وهو: أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان؛ في سره وعلانيته، وفي جميع أحواله.
وهذا من الإيمان، قال اللّه تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] ، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، وقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] .
وقد أوجب اللّه طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعًا من القرآن، وطاعته طاعة اللّه، وهي: عبادة اللّه وحده لا شريك له، وذلك هو دين اللّه وهو الإسلام، وكل من أمر اللّه بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج؛ فلأن طاعته طاعة للّه. وإلا فإذا أمر بخلاف طاعة اللّه فإنه لا طاعة له، وقد يأمر الوالد والزوج بمباح فيطاع، وكذلك الأمير إذا أمر عالمًا يعلم أنه معصية للّه، والعالم إذا أفتى المستفتى بما لم يعلم المستفتى أنه مخالف لأمر اللّه، فلا يكون المطيع لهؤلاء عاصيًا، وأما إذا علم أنه مخالف لأمر اللّه فطاعته في ذلك معصية للّه؛ ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد غيره إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به الرسول، فهنا لا يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع، ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أنه يقلد؟ هذا فيه قولان:
فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لا يجوز. وحكى عن محمد بن الحسن جوازه. والمسألة معروفة. وحكى بعض الناس ذلك عن أحمد،/ ولم يعرف هذا الناقل قول أحمد، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.
وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور، وفي صفة من يجوز له التقليد تفصيل ونزاع ليس هذا موضعه.
والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع: أن يعارض قول اللّه ورسوله بما يخالف ذلك كائنًا من كان المخالف لذلك. قال اللّه تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ