الصفحة 190 من 484

بعض مسائل الفقه التي خفيت معرفتها على أكثر الصحابة، وكانوا يتكلمون في الفتيا والأحكام؛ طائفة منهم يستفتون في ذلك.

وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى اللّه من واجب ومستحب فكلهم يأخذه عن الكتاب والسنة؛ فإن القرآن والحديث مملوء من هذا، وإن تكلم أحدهم في ذلك بكلام لم يسنده هو يكون هو أو معناه مسندًا عن اللّه ورسوله، وقد ينطق أحدهم بالكلمة من الحكمة فتجدها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كما قيل في تفسير قوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] ، وَلَكِنْ كثير من أهل العبادة والزهادة أعرض عن طلب العلم النبوى الذي يعرف به طريق اللّه ورسوله، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ.

/ وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة، وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف، وهكذا طريق العبادة، عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق المشروع، فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف.

وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع، ولكن هذا إنما يقع النزاع في الدقيق منه، وأما الجليل فلا يتنازعون فيه. والصحابة أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا في العقائد، ولا في الطريق إلى اللّه التي يصير بها الرجل من أولياء اللّه الأبرار المقربين، ولهذا كان عامة المشايخ إذا احتاجوا في مسائل الشرع مثل مسائل النكاح والفرائض والطهارة وسجود السهو ونحو ذلك قلدوا الفقهاء؛ لصعوبة أخذ ذلك عليهم من النصوص. وأما مسائل التوكل والإخلاص والزهد، ونحو ذلك فهم يجتهدون فيها، فمن كان منهم متبعًا للرسول أصاب، ومن خالفه أخطأ.

ولا ريب أن البدع كثرت في باب العبادة والإرادة أعظم مما كثرت في باب الاعتقاد والقول؛ لأن الإرادة يشترك الناس فيها أكثر مما / يشتركون في القول؛ فإن القول لا يكون إلا بعقل، والنطق من خصائص الإنسان. وأما جنس الإرادة فهو مما يتصف به كل الحيوان، فما من حيوان إلا وله إرادة، وهؤلاء اشتركوا في إرادة التأله؛ لكن افترقوا في المعبود وفي عبادته؛ ولهذا وصف اللّه في القرآن رهبانية النصارى بأنهم ابتدعوها، وذم المشركين في القرآن على ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات، وذلك أكثر مما ابتدعوه من الاعتقادات؛ فإن الاعتقادات كانوا فيها جهالًا في الغالب فكانت بدعهم فيها أقل؛ ولهذا كلما قرب الناس من الرسول كانت بدعهم أخف فكانت في الأقوال، ولم يكن في التابعين وتابعيهم من تَعَبَّدَ بالرقص والسماع، كما كان فيهم خوارج ومعتزلة وشيعة، وكان فيهم من يكذب بالقدر ولم يكن فيهم من يحتج بالقدر.

فالبدع الكثيرة التي حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد والفقراء والصوفية لم يكن عامتها في زمن التابعين وتابعيهم، بخلاف أقوال أهل البدع القولية، فإنها ظهرت في عصر الصحابة والتابعين، فعلم أن الشبهة فيها أقوى وأهلها أعقل، وأما بدع هؤلاء فأهلها أجهل، وهم أبعد عن متابعة الرسول.

ولهذا يوجد في هؤلاء من يدعى الإلهية والحلول والاتحاد، ومن يدعى أنه أفضل من الرسول، وأنه مُسْتَغْنٍ عن الرسول، وأن / لهم إلى اللّه طريقًا غير طريق الرسول. وهذا ليس من جنس بدع المسلمين، بل من جنس بدع الملاحدة من المتفلسفة، ونحوهم، وأولئك قد عرف الناس أنهم ليسوا مسلمين، وهؤلاء يدعون أنهم أولياء اللّه مع هذه الأقوال التي لا يقولها إلا من هو أكَفْرُ من اليهود والنصارى، وكثير منهم ـ أو أكثرهم ـ لا يعرف أن ذلك مخالفة للرسول، بل عند طائفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت