منهم أن أهل الصفَّة قاتلوا الرسول وأقرهم على ذلك. وعند آخرين أن الرسول أُمِرَ أن يذهب ليسلم عليهم ويطلب الدعاء منهم، وأنهم لم يأذنوا له، وقالوا: اذهب إلى من أرسلت إليهم، وأنه رجع إلى ربه فأمره أن يتواضع ويقول: خُوَيْدِمُكم جاء ليسلم عليكم. فجبروا قلبه، وأذنوا له بالدخول.
فمع اعتقادهم هذا الكفر العظيم الذي لا يعتقده يهودى ولا نصرانى يقر بأنه رسول لله إلى الأميين، يقولون: إن الرسول أقرهم على ذلك واعترف به، واعترف أنهم خواص لله، وأن لله يخاطبهم بدون الرسول، لم يحوجهم إليه كبعض خواص الملك مع وزرائه، ويحتجون بقصة الخضر مع موسى، وهي حجة عليهم ـ لا لهم ـ من وجوه كثيرة قد بسطت في موضع آخر.
والضلال والجهل في جنس العباد والمبتدعة أكثر منه في جنس أهل الأقوال، لكن فيهم من الزهد والعبادة والأخلاق ما لا يوجد في/أولئك، وفي أولئك من الكِبْر والبخل والقسوة ما ليس فيهم، فهؤلاء فيهم شَبَهٌ من النصارى وهؤلاء فيهم شبه من اليهود، واللّه ـ تعالى ـ أمرنا أن نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] ؛ ولهذا آل الأمر بكثير من أكابر مشايخهم إلى أنهم شهدوا توحيد الربوبية والإيمان بالقدر، وذلك شامل لجميع الكائنات، فعدوا الفناء في هذا بزوال الفرق بين الحسنات والسيئات غاية المقامات، وليس بعده إلا ما سموه توحيدًا، وهو من جنس الحلول والاتحاد الذي تقوله النصارى، ولكنهم يهابون الإفصاح عن ذلك، ويجعلونه من الأسرار المكتومة.
ومنهم من يقول: إن الحلاج هذا كان مشهده، وإنما قتل لأنه باح بالسر الذي ما ينبغى البَوْحُ به. وإذا انضم إلى ذلك أن يكون أحدهم قد أخذ عمن يتكلم في إثبات القدر من أهل الكلام، أو غيرهم، ويجعل الجميع صادرًا عن إرادة واحدة، وليس هنا حب ولا بغض ولا رضًا ولا سخط ولا فرح، ولكن المرادات متنوعة، فما كان ثوابًا سمى تعلق الإرادة به رضًا، وما كان عقابًا سمى سخطًا، فحينئذ مع هذا المشهد لا يبقى عنده تمييز، ويسمون هذا: الجمع والاصْطِلام.
وكان الجُنَيْد ـ قدس اللّه روحه ـ لما وصل أصحابه ـ كالثورى /وأمثاله ـ إلى هذا المقام أمرهم بالفرق الثانى، وهو: أن يفرقوا بين المأمور والمحظور، ومحبوب اللّه ومُرْضِيه، ومَسْخُوطه ومكروهه، وهو مشهد الإلهية الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وهو حقيقة قول: لا إله إلا اللّه. فمنهم من أنكر على الجنيد، ومنهم من توقف، ومنهم من وافق. والصواب ما قاله الجنيد من ذكر هذه الكلمة في الفرق بين المأمور والمحظور، والكلمة الأخرى في الفرق بين الرب والعبد، وهو قوله: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فهذا رد على الاتحادية والحُلُولية منهم، وتلك رد على من يقف عند الحقيقة الكونية منهم، وما أكثر من ابتلى بهذين منهم.
ثم من الناس من يقوم بهذا الفرق، لكن لنفسه وهواه، لا عبادة وطاعة للّه، فهذا مثل من يجاهد ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر لهواه، كالمقاتل شجاعة وحَمِيَّة ورياء، وذاك بمنزلة من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر ولا يجاهد، هذا شبيه بالراهب، وذاك شبيه بمن لم يطلب إلا الدنيا، ذاك مبتدع وهذا فاجر.
وقد كَثُرَ في المتَزَهِّدة والمتَفَقِّرة البدع، وفي المعرضين عن ذلك طلب الدنيا، وطلاب الدنيا لا يعارضون تاركها إلا لأغراضهم، وإن كانوا مبتدعة، وأولئك لا يعارضون أبناء الدنيا إلا لأغراضهم، فتبقى المنازعات للدنيا،/ لا لتكون كلمة اللّه هي العليا، ولا ليكون الدين للّه، بخلاف طريقة السلف ـ رضى اللّه عنهم ـ أجمعين، وكلاهما خارج عن الصراط المستقيم.