الصفحة 197 من 484

التي ليست محنكة، المقتطعة، كان أحمد يكره لبسها، وكذا مالك يكره لبسها ـ أيضًا ـ لما جاء في ذلك من الآثار، وشرط في المسح عليها أن تكون محنكة. واتبعه على ذلك القاضي وأتباعه، وذكروا فيها ـ إذا كان لها ذؤابة ـ وجهين.

وقال بعض أصحاب أحمد: إذا كان أحمد في إحدى الروايتين يجوز المسح على القلانس الدنيات ـ وهي القلانس الكبار ـ فلأن يجوز ذلك على العمامة بطريق الأولى والأحرى. والسلف كانوا يحنكون عمائمهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ويجاهدون في سبيل الله، فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت ولم يمكن معها طرد الخيل؛ ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة لأجل أنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون. وذكر إسحاق بن راهويه بإسناده أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك، وهذا لأنهم كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون، ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك. والجند المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائمهم صاروا يربطونها: إما بكلاليب، وإما بعصابة ونحو ذلك. وهذا معناه معني التحنيك، كما أن من السلف من كان يربط وسطه بطرف عمامته، والمناطق يحصل بها هذا المقصود. وفي نزع العمامة المربوطة بعصابة وكلاليب من المشقة ما في نزع المحنكة.

وقد ثبت المسح على العمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة، لكن العلماء فيها على ثلاثة أقوال:

منهم من يقول: الفرض سقط بمسح ما بدا من الرأس، والمسح على العمامة مستحب. وهذا قول الشافعي وغيره.

ومنهم من يقول: بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح ما بدا من الرأس، كما في حديث المغيرة. وهل هو واجب لأنه فعله في حديث المغيرة، أو ليس بواجب لأنه لم يأمر به في سائر الأحاديث على روايتين. وهذا قول أحمد المشهور عنه.

ومنهم من يقول: بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر، وهو ما إذا حصل بكشف الرأس ضرر من برد ومرض، فيكون من جنس المسح على الجبيرة، كما جاء: أنهم كانوا في سرية فشكوا البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب ـ والعصائب هي العمائم ـ ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز، والماشون في الأرض الحزنة والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة، وخفاف هؤلاء في العادة لابد أن يؤثر فيها الحجر؛ فهم برخصة المسح على الخفاف المخرقة أولى من غيرهم.

ثم المانع من ذلك يقول: إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح، فقد يظهر شيء يسير من القدم كموضع الخرز ـ وهذا موجود في كثير من الخفاف ـ فإن منعوا من المسح عليها ضيقوا تضييقًا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلًا.

فإن قيل: هذا لا يمكن غسله حتي يقولوا: فرضه الغسل. وإن قالوا: هذا يعفي عنه لم يكن لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع.

والذي يوضح هذا أن قولهم: إذا ظهر بعض القدم إن أرادوا ظهوره للبصر فأبصار الناس ـ مع اختلاف إدراكها ـ قد يظهر لها من القدم ما لا يمكن غسله، وإن أرادوا ما يظهر ويمكن مسه بإلاد فقد يمكن غسله بلا مس وإن قالوا: ما يمكن غسله فالإمكان يختلف، قد يمكن مع الجرح ولا يمكن بدونه، فإن سم الخياط يمكن غسله إذا وضع القدم في مغمزه وصبر عليه حتي يدخل الماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت