والثاني: أن يكون الخف يثبت بنفسه. وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ونحو ذلك، لم يمسح، وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد ـ كالزربول الطويل المشقوق، يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد ـ ففيه وجهان أصحهما: أنه يمسح عليه. وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل المنصوص عنه ـ في غير موضع ـ أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما، بل بنعلين تحتهما، وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين. فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، فغيرهما بطريق الأولى، وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلان عن الجوربين. فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز.
وإذا كان هذا في الجوربين: فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلًا به أو منفصلًا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين.
وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما: إذا ثبت ذلك بشدهما بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى.
فإن قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو: أن يلف على الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك.
قيل: في هذا وجهان، ذكرهما الحلواني. والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة وفي نزعها ضرر: إما إصابة البرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح. فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى.
ومن ادعي في شيء من ذلك إجماعًا، فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع من عشرة من العلماء المشهورين فضلًا عن الإجماع والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير من السلف والخلف، حتي أن طائفة من الصحابة أنكروه، وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقًا، وهو رواية عن مالك، والمشهور عنه جوازه في السفر دون الحضر.
وقد صَنَّف الإمام أحمد كتابًا كبيرًا في [الأشربة] في تحريم المسكر ولم يذكر فيه خلافًا عن الصحابة، فقيل له في ذلك فقال: هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المسكر. ومالك ـ مع سعة علمه وعلو قدره ـ قال في [كتاب السر] : لأقولن قولًا لم أقله قبل ذلك في علانية. وتكلم بكلام مضمونه إنكاره: إما مطلقًا، وإما في الحضر. وخالفه أصحابه في ذلك، وقال ابن وهب: هذا ضعف له حيث لم يقله قبل ذلك علانية.
والذين جوزوه منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين على الخفين. والثلاثة منعوا المسح على الجوربين وعلى العمامة، فعلم أن هذا الباب مما هابه كثير من السلف والخلف، حيث كان الغسل هو الفرض الظاهر المعلوم، فصاروا يجوزون المسح حيث يظهر ظهورًا لا حيلة فيه، ولا يطردون فيه قياسًا صحيحًا ولا يتمسكون بظاهر النص المبيح، وإلا فمن تدبر ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطي القياس حقه، علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة، وأن ذلك من محاسن الشريعة ومن الحنيفية السمحة التي بعث بها.
وقد كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تمسح على خمارها، فهل تفعل ذلك بدون إذنه؟! وكان أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك يمسحان على القلانس؛ ولهذا جوز أحمد هذا وهذا في إحدى الروايتين عنه، وجوز ـ أيضًا ـ المسح على العمامة؛ لكن أبو عبد الله ابن حامد رأي أن العمامة