الصفحة 202 من 484

واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك؛ لأنه إنما يثبت بالعقد. وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء، كأنه رأي أنه إذا عقد عقدة صار يشبه القميص الذي ليس له يدان، واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه كراهة تحريم، فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك. وأما كراهة تنزيه، فلا يوجبون الفدية، وهذا أقرب. ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا يلتحف ولا يثبت بالعادة إلا بالعقد، أو ما يشبهه مثل الخلال وربط الطرفين على حقوه ونحو ذلك، وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة، فكانوا يعتادون لبس الأزر والأردية، ولبس السراويل قليل فيهم، حتي إن منهم من كان لا يلبس السراويل قط، منهم عثمان بن عفان وغيره، بخلاف أهل البلاد الباردة لو اقتصروا على الأُزُر والأردية لم يكفهم ذلك، بل يحتاجون إلى القميص والخفاف والفراء والسراويلات؛ ولهذا قال الفقهاء: يستحب مع الرداء الإزار؛ لأنه يستر الفخذين. ويستحب مع القميص السراويل؛ لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع الخلق، والقميص فوق السراويل يستر، بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر تقاطيع الخلق.

وأما الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبهًا بهم. ومنهم من لا يستحبه لعدم المنفعة فيه؛ ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الإزار. ومن اعتاد الرداء ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه، وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيرًا لم يثبت إلا بعقده، وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى الخفين. فإن الحاجة إلى ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين، والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس. وأما إظهار بدنه للحر والبرد والريح والشمس فهذا يضر غالب الناس.

وأيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بستر ذلك فقال: (لا يصلين بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) . وتجوز الصلاة حافيًا، فعلم أن ستر هذا، إلى الله أحب من ستر القدمين بالنعلين؛ فإذا كان ذلك للحاجة العامة، رخص فيه في البدن من غير فدية فلأن يرخص في هذا بطريق الأولى والأحرى.

فإن قيل: فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما لمن لم يجد الرداء.

قيل: الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضًا مع ربطه وعقد طرفيه فيكون كالرداء، بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط، فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما لا يثبت على منكبيه. وكذلك الأرّدية الصغار، فما وجده المحرم من قميص وما يشبهه كالجبة، ومن برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة، أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها، فيجب أن يرخص له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورًا، وكذلك إن كان مكروها. فعند الحاجة تزول الكراهة، كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله، ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد؛ وهو إلى ستر منكبيه أحوج، فرخص له عقد ذلك عند الحاجة بلا ريب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه لفظًا عامًا يتناول عقد الرداء، بل سئل صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم من الثياب فقال: (لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا من لم يجد نعلين) الحديث.

فنهى عن خمسة أنوع من الثياب التي تلبس على البدن وهى القميص، وفي معناه الجبة وأشباهها؛ فإنه لم يرد تحريم هذه الخمسة فقط، بل أراد تحريم هذه الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها. وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته، وهو ما كانوا يلبسونه غالبًا. والدليل على ذلك: ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل قبل ذلك عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال: (انزع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك) . وكان هذا في عمرة القضية: فعلم أن تحريم الجبة كان مشروعًا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت