الصفحة 203 من 484

وأيضًا، فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته: (ولا تخمروا رأسه) وفي مسلم: (ووجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) ، فنهاهم عن تخمير رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيًا، كما أمرهم ألا يقربوه طيبًا، فعلم أن المحرم ينهى عن هذا وهذا. وإنما في هذا الحديث النهى عن لبس العمائم، فَعُلِم أنه أراد النهى عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس، فذكر ما يخمر الرأس وما يلبس على البدن كالقميص والجبة، وما يلبس عليهما جميعًا وهو البرنس، وذكر ما يلبس في النصف الأسفل من البدن وهو السراويل والثياب، والتبان في معناه. وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو الخف، ومعلوم أن الجرموق والجورب في معناه، فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح للحلال، والمحرم الذي جاز له لبسه فإن الذي نهى عنه المحرم أمر بالمسح عليه.

وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبًا؛ لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة، وقال: (إنهما طعام إخوانكم من الجن) ، فلما نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلة علم أن الحكم ليس مختصًا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك.

وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير -هو عند أكثر العلماء- لكونه كان قوتًا للناس، فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة، كالذين يقتاتون الرز أو الذرة، يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء، بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهى عنه من طعام الجن وعلف دوابهم، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ذلك؛ بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة.

وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما يلبس المحرم من الثياب، وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها؛ لأنه سئل عما يلبس لا عما لا يلبس، فلو لم يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل، لكن كان الملبوس المعتاد عندهم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة ـ والقوم لهم عقل وفقه ـ فيعلم أحدهم أنه إذا نهى عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة، وعن الجبة المحشوة، وعن الفروة التي هى كالقميص، وما شاكل ذلك، بطريق الأولى والأحرى؛ لأن هذه الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص.

وكذلك التُّبان أبلغ من السراويل، والعمامة تلبس في العادة فوق غيرها: إما قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك، فإذا نهى عن العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه عن القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر الرأس أولى؛ فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس والمحرم أشعث أغبر.

ولهذا قال في الحديث الصحيح ـ حديث المباهاة ـ: (إنه يدنوا عشية عرفة فيباهى الملائكة بأهل الموقف فيقول: انظروا إلى عبادى، أتونى شعثًا غبرًا ما أراد هؤلاء؟) وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره، فإن المخمر لا يصيبه الغبار ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما؛ ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع متعة بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر، وهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة أو شجر أو ثوب يظلل به، فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ لأن ذلك لا يمنع الشعث ولا الاغبرار وليس فيه تخمير الرأس.

وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل؛ لأنه ملازم للراكب كما تلازمه العمامة لكنه منفصل عنه، فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له، ومن رخص فيه اعتبر انفصاله عنه. فأما المنفصل الذي لا يلازم، فهذا يباح بالإجماع. والمتصل الملازم منهى عنه باتفاق الأئمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت