الصفحة 204 من 484

ومن لم يلحظ المعاني ـ من خطاب الله ورسوله ـ ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر، كالذين يقولون: إن قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 23] لا يفيد النهى عن الضرب، وهو إحدى الروايتين عن داود؛ واختاره ابن حزم، وهذا في غاية الضعف، بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فمازال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا.

كما أنه إذا قال في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يؤمن) ـ كررها ثلاثًا ـ قالوا: من يا رسول الله؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه) ، فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف من فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه؟ كما في الصحيح عنه أنه قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك) ، قيل: ثم ماذا؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) ، قيل: ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) ، ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة، فهذا أولى بسلب الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم يفعل مثل هذا.

وكذلك إذا قال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، فإذا كان هؤلاء لا يؤمنون، فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ويجدون حرجًا مما قضى؛ لاعتقادهم أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد وأعظم.

وكذلك إذا قال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] ، فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنًا فألا يكون مؤمنًا ـ إذا حاد ـ بطريق الأولى والأحرى. وكذلك إذا نهى الرجل أن يستنجى بالعظم والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم، فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه. وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد مع الإملاق، فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى.

فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم. فتخصيص القميص دون الجباب، والعمائم دون القلانس، والسراويلات دون التبابين، هو من هذا الباب؛ لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أُذن فيه.

وكذلك أمره بصب ذَنُوب من ماء على بول الأعرابي ـ مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير ـ لا لأن النجاسة لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.

وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءًا كاملا ثم لبس الخفين جاز له المسح بلا نزاع، ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد:

إحداهما: يجوز المسح، وهو مذهب أبي حنيفة.

والثانية: لا يجوز، وهو مذهب مالك والشافعي. قال هؤلاء: لأن الواجب ابتداء اللبس على الطهارة، فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما، لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده. وكذلك في تلك الصورة قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف، واحتجوا بقوله: (إني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان) ، قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت