الصفحة 46 من 484

, التي تتطلع إليها أنظار الإنسانية , وتظل تتطلع , ولا تبلغ إليها أبدا - كما لم تبلغ إليها قط - إلا في ظل هذا المنهج الفريد العجيب:

.في الوقت الذي كانت يهود تكيد ذلك الكيد الجاهد للإسلام ونبيه , وللصف المسلم وقيادته. . كان القرآن يصنع الأمة المسلمة على عين الله , فيرتفع بتصوراتها وأخلاقها , ونظامها وإجراءاتها إلى القمة السامقة. . وكان يعلج حادثا يتعلق بيهودي فرد , هذا العلاج الذي سنذكره. .

كان الله يأمر الأمة المسلمة بالأمانة المطلقة , وبالعدل المطلق"بين الناس". . الناس على اختلاف أجناسهم وعقائدهم , وقومياتهم وأوطانهم. . كان يقول لهم: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعما يعظكم به! إن الله كان سميعا بصيرا) . . [آية 58] . . وكان يقول لهم: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله , ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين , إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما. فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا , وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) . .

ثم. . كانت الآيات ذوات العدد من القرآن تتنزل لإنصاف يهودي. . فرد. . من اتهام ظالم , وجهته إليه عصبة من المسلمين من الأنصار , ممن لم ترسخ في قلوبهم هذه المباداء السامقة بعد , ولم تخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية كل الخلوص. فدفعتهم عصبية الدم والعشيرة إلى تبرئة أحدهم باتهام هذا اليهودي! والتواطؤ على اتهامه , والشهادة ضده - في حادث سرقة درع - أمام النبي صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يقضي عليه بحد السرقة , ويبراء الفاعل الأصلي!

تنزلت هذه الآيات ذوات العدد , فيها عتاب شديد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها إنحاء باللائمة على العصبة من أهل المدينة الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم وعزروه ونصروه. . إنصافا ليهودي , من تلك الفئة التي تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الإيذاء , وتنصب لدعوته , وتكيد له وللمسلمين هذا الكيد اللئم! وفيها تهديد وإنذار لمن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا. وفيها - من ثم - تلك النقلة العجيبة , إلى تلك القمة السامقة , وتلك الإشارة الوضيئة إلى ذلك المرتقى الصاعد.

لقد تنزلت هذه الآيات كلها في حادث ذلك اليهودي. . من يهود. .

(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله , ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله , إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم , إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله - وهو معهم - إذ يبيتون ما لا يرضى من القول , وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا , فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ? أم من يكون عليهم وكيلا ? ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه , وكان الله عليما حكيما. ومن يكسب خطيئة أو إثما , ثم يرم به بريئا , فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا. ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك , وما يضلون إلا أنفسهم , وما يضرونك من شيء , وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة , وعلمك ما لم تكن تعلم , وكان فضل الله عليك عظيما. لا خير في كثير من نجواهم , إلا من أمر بصدقة أو معروف , أو إصلاح بين الناس , ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما , ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى , ونصله جهنم وساءت مصيرا. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء , ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) . . [105 - 116] . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت